لا يبدأ الابتكار من منصة الجوائز. يبدأ قبل ذلك بكثير، من طالب يتعلم كيف يسأل، ومن مشرف يترك له مساحة الخطأ، ومن مدرسة لا ترى البحث العلمي نشاطاً جانبياً. لذلك تبدو مشاركة المنتخب السعودي للعلوم والهندسة في آيسف 2026 أكثر من خبر تعليمي. هي اختبار لطريقة بناء الموهبة، ولقدرة المؤسسات على تحويل التفوق الفردي إلى مسار معرفي طويل.
الحدث نفسه كبير بما يكفي ليمنح المشاركة وزنها. معرض ريجينيرون الدولي للعلوم والهندسة، المعروف باسم آيسف، يجمع في نسخة 2026 أكثر من 1700 طالب وطالبة من عشرات الدول، ضمن منافسة عالمية مفتوحة أمام مشاريع في العلوم والهندسة والتقنية. وتضع السعودية مشاركتها في سياق تنافس مع نحو 70 دولة، أي في مساحة لا تكفي فيها الرغبة ولا تكفي فيها صورة المشروع. هناك منهج، وتحكيم، وأسئلة دقيقة، ومقارنة مباشرة مع أفضل ما يقدمه طلاب العالم قبل الجامعة.
هذا ما يجعل آيسف 2026 اختباراً للابتكار السعودي لا مجرد مشاركة خارجية. فالطالب الذي يصل إلى هذه المنصة لا يصل وحده. خلفه مسار يبدأ من الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي “إبداع”، ويمر عبر مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع، موهبة، ووزارة التعليم، ثم عبر مراحل تدريب وتأهيل وتحكيم. بهذا المعنى، لا يمثل المنتخب السعودي مجموعة مشاريع فقط، بل يمثل سلسلة كاملة من الاكتشاف والرعاية والاختيار.
آيسف 2026 ومعنى الاختبار العالمي
قيمة آيسف أنه يخرج المشروع من بيئته المحلية. داخل المدرسة أو المسابقة الوطنية قد تبدو الفكرة لافتة، لكن في المعرض الدولي تُقرأ بطريقة أخرى. هل لدى الطالب فرضية واضحة؟ هل استخدم منهجاً قابلاً للفحص؟ هل جمع بيانات كافية؟ هل يعرف حدود مشروعه؟ هل يستطيع الدفاع عن نتائجه أمام محكم لا يعرفه ولا يمنحه مجاملة؟ هنا تتغير طبيعة المنافسة.
المعرض، بحسب تعريفه المؤسسي، يضم مجالات واسعة تصل إلى 22 حقلاً علمياً، من الطاقة والهندسة والذكاء الاصطناعي إلى العلوم الطبية والبيئية والكيمياء والعلوم السلوكية. كما تتجاوز قيمة الجوائز والمنح فيه 7 ملايين دولار. لكن الجائزة ليست وحدها ما يهم. الأهم أن الطالب يدخل شبكة علمية عالمية في سن مبكرة، ويكتشف أن البحث ليس حفظاً منظماً، بل بناء حجة علمية قابلة للاختبار.
لهذا لا ينبغي اختزال المشاركة السعودية في عدد الجوائز المتوقعة. الجوائز مهمة، وسجل المملكة في آيسف خلال السنوات الماضية أظهر تراكم حضور واضح منذ بدء المشاركة عام 2007. ووفق بيانات موهبة، وصل مجموع الجوائز السعودية إلى 124 جائزة كبرى و61 جائزة خاصة حتى آخر تحديث منشور. في نسخة 2025، شاركت السعودية بـ40 طالباً وطالبة و40 مشروعاً، وحققت 18 مشروعاً فائزاً، بينها 14 جائزة كبرى و11 جائزة خاصة. هذه حصيلة لا تأتي بالمصادفة، لكنها لا تلغي السؤال التالي، ماذا يحدث بعد الفوز؟
من الطالب الموهوب إلى منظومة الابتكار
التحدي الحقيقي يبدأ بعد عودة المنتخب. المشروع الفائز قد يبقى ملفاً جميلاً في أرشيف المسابقة، وقد يتحول إلى مسار بحثي في جامعة، أو براءة اختراع، أو شركة ناشئة، أو نموذج يطور مناهج العلوم. الفارق بين الحالتين هو ما يحدد جدية منظومة الابتكار.
السعودية، في إطار رؤية 2030، تتحدث كثيراً عن اقتصاد المعرفة وتنويع مصادر الدخل. هذا الكلام يصبح أكثر واقعية عندما تظهر نتائجه في التعليم قبل الجامعي. طالب يعمل على مشروع في التقنية الحيوية أو الطاقة أو البرمجة لا يصنع اقتصاداً جديداً وحده، لكنه يثبت أن التحول لا يبدأ من الشركات الكبرى فقط. يبدأ من فصل دراسي ومن مختبر صغير ومن سؤال جيد.
غير أن المسار يحتاج إلى ما بعد التدريب. يحتاج إلى جامعة تستقبل الطالب لا كرقم قبول فقط، بل كباحث ناشئ. يحتاج إلى مختبر يواصل معه التجربة. يحتاج إلى شركات ترى في مشاريع الطلبة أفكاراً قابلة للتطوير. ويحتاج إلى تمويل مبكر لا يقتل الفكرة عند أول عائق إداري. من دون ذلك، تبقى آيسف لحظة مضيئة، لا حلقة في سلسلة إنتاج معرفة.
العدالة في اكتشاف الموهبة
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية. هل تصل هذه الفرص إلى كل المناطق والفئات بالدرجة نفسها؟ الموهبة لا تولد في المدن الكبرى وحدها، ولا في المدارس الأكثر تجهيزاً فقط. قد تظهر في محافظة بعيدة، أو في مدرسة عادية، أو عند طالب لا يملك لغة عرض قوية لكنه يملك فكرة جيدة. إذا كانت منظومة الموهبة تريد أن تكون وطنية فعلاً، فعليها أن تلتقط هذا الطالب قبل أن يخسره النظام التعليمي.
هذا لا يعني إنكار ما تحقق. وجود مسار وطني مثل إبداع، ثم تأهيل للمنتخب، ثم مشاركة منتظمة في آيسف، يعني أن هناك عملاً مؤسسياً. لكنه يعني أيضاً أن التوسع والعدالة في الوصول يجب أن يبقيا جزءاً من التقييم. فالمنافسة العالمية تبدأ محلياً من فرص متكافئة. وكلما اتسعت قاعدة المشاركة، زادت احتمالات ظهور مشاريع أكثر تنوعاً وارتباطاً بحاجات المجتمع السعودي نفسه.
ماذا تقول المشاركة عن السعودية؟
تقول المشاركة إن السعودية تريد أن تظهر كبلد يستثمر في العقول الشابة، لا في البنية التحتية والمشاريع الكبرى وحدها. وهذا مهم. فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من مطارات وموانئ، بل بما تبنيه في عقول طلابها. آيسف منصة عالمية، لكنها في النهاية تكشف شيئاً داخلياً، كيف يتعلم الطالب، وكيف تُدار الموهبة، وكيف تتحول فكرة صغيرة إلى مشروع يمكن الدفاع عنه.
لكن القراءة المتوازنة تفرض الحذر أيضاً. لا يكفي أن تحقق المملكة جوائز كي يقال إن اقتصاد المعرفة اكتمل. بين الميدالية والمنتج مسافة طويلة. وبين المشروع المدرسي والسوق طريق يحتاج إلى جامعة وصناعة وتمويل ونظام ملكية فكرية وحاضنات جدية. لذلك، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بآيسف بديلاً عن سؤال المتابعة. بل يجب أن يكون بداية له.
آيسف 2026 يمنح المنتخب السعودي للعلوم والهندسة اختباراً عالمياً حقيقياً. أكثر من 1700 طالب وطالبة، ونحو 70 دولة، ومشاريع من حقول علمية متقدمة. في هذا السياق، لا يكون الحضور السعودي خبراً عابراً، بل نتيجة مسار بدأ قبل السفر بسنوات.
لكن قيمة المشاركة لا تُقاس فقط بما سيعود به الطلاب من جوائز. تُقاس بما سيبقى بعدها. هل تتحول المشاريع إلى أبحاث؟ هل يجد الطلبة طريقهم إلى مختبرات وجامعات وشركات؟ هل تصبح خبرة آيسف مادة لتطوير التعليم؟ هل يصل مسار الموهبة إلى طالب في الأطراف كما يصل إلى طالب في المدن الكبرى؟
إذا حدث ذلك، يصبح آيسف أكثر من مسابقة. يصبح جزءاً من بناء طويل لاقتصاد لا يكتفي بشراء التقنية، بل يسعى إلى إنتاجها. أما إذا بقيت المشاركة مناسبة للاحتفال فقط، فستظل جميلة ومهمة، لكنها أقل من الإمكانات التي تكشفها. الاختبار العالمي يبدأ في فينيكس، لكنه لا ينتهي هناك. نهايته الحقيقية داخل السعودية، في المدارس والجامعات والمختبرات التي ستقرر ماذا تفعل بهذه الموهبة بعد أن يصفق لها العالم.
اقرأ أيضاً: السعودية تُشارك للمرة الـ 18 في المعرض الدولي للعلوم والهندسة

