كيف يمكن لبحث علمي يبدأ داخل مختبر أن ينتهي بتقنية توفر الطاقة، أو تعالج المياه، أو تتحول إلى شركة ناشئة؟ في قطاع المياه، لا تبدو المسافة بين الفكرة والتطبيق قصيرة، بالأخص عندما يتعلق الأمر بقطاع يحتاج إلى حلول مستمرة لتأمين المياه وتحسين كفاءة إنتاجها وإعادة استخدامها.
هذا السؤال كان حاضر في النسخة السابعة من “مجتمع أبحاث المياه”، التي اختتمتها الهيئة السعودية للمياه ممثلة بمعهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة “وتيرا”، بمشاركة نحو 400 باحث وخبير وممثل عن جهات حكومية وأكاديمية وصناعية من داخل المملكة وخارجها. لكن الرقم الأكثر دلالة لم يكن عدد المشاركين، بل 130 مقترح بحثي استقبلتها النسخة الحالية، إلى جانب توقيع 12 اتفاقية تستهدف نقل البحث من نطاقه الأكاديمي إلى مسارات مرتبطة أكثر بالتطبيق.
من الورقة العلمية إلى الحل
الفكرة الأساسية التي تبرز من مخرجات المجتمع هي أن البحث في قطاع المياه لا يراد له أن يتوقف عند نشر دراسة علمية، بل أن يتحول إلى منتج أو تقنية يمكن استخدامها بشكل فعلي. ولهذا شملت الاتفاقيات مسارات للتعاون بين القطاع الأكاديمي والصناعي، من بينها مذكرة تفاهم مع مجلس شؤون الجامعات، واتفاقية مع جامعة القصيم لإنشاء مختبر بحثي مشترك في واحة ابتكارات المياه برابغ، إلى جانب إطلاق مجموعات بحثية لجامعتي أم القرى وتبوك.
كما دعمت الهيئة تطبيق الأبحاث بمنح بحثية تصل إلى مليوني ريال، استفادت منها ثماني جهات أكاديمية وبحثية. هذه الخطوة تعالج واحدة من المشكلات المعروفة في البحث العلمي بشكل عام، وجود أفكار ودراسات جيدة، لكن عدم انتقالها بالسرعة نفسها إلى السوق أو الاستخدام الفعلي.
11 مليار إشارة.. فماذا تفعل البيانات؟ أحد الأرقام اللافتة في قطاع المياه هو حجم البيانات التي تنتجها البنية التحتية الذكية، إذ أشارت الهيئة إلى توفير أكثر من 11 مليار إشارة فريدة بشكل يومي. ولا تكمن أهمية الرقم في حجمه فقط، بل فيما يمكن استخراجه منه من معلومات عن أداء الشبكات والظروف التشغيلية ومواقع الخلل وفرص تحسين الكفاءة.
تظهر هنا مساحة واسعة للذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بالأخص مع توسع الأبحاث في مجالات مثل اكتشاف تسربات المياه، ومعالجة المياه الجوفية، واسترداد الموارد، والزراعة الدقيقة. كما أن تحسين كفاءة أغشية التناضح العكسي بنسبة 1% فقط يمكن أن يوفر أكثر من 10 ميجاوات من الكهرباء، بحسب ما أعلنته الهيئة، ما يوضح أن هناك تحسن تقني بطيء في إحدى مراحل الإنتاج يمكن أن يترك بعض الآثار الملموسة على استهلاك الطاقة.
اقرأ أيضاً: السعودية تراهن على الابتكار لرفع كفاءة قطاع المياه
أبحاث تبحث عن أكثر من الماء
المشروعات المعروضة خلال المجتمع تكشف أن الابتكار في قطاع المياه لم يعد محصور في إنتاج مياه الشرب فقط. فبين أكثر من 60 ملصق علمي في المعرض المصاحب، ظهرت أبحاث حول توطين تصنيع أغشية التناضح العكسي، ومعالجة المياه الحمضية والرمادية، واستغلال الحرارة المهدرة من مراكز البيانات لإنتاج المياه، إضافة إلى حلول مرتبطة بالطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري.
وهذا يعني أن قطاع المياه أصبح نقطة تقاطع بين تخصصات متعددة، من هندسة المواد والطاقة إلى الذكاء الاصطناعي وإدارة الموارد.
الاختبار الحقيقي لا يبدأ عند استقبال المقترحات، بل بعد ذلك. وتستهدف مخرجات المجتمع تحويل نحو 15% منها إلى مشاريع تطبيقية، وتمويل أكثر من 15 مشروع، وتسجيل 20 براءة اختراع نوعية، وتأسيس شركات سعودية ناشئة تتجاوز قيمتها السوقية 300 مليون ريال. كما تستهدف نقل ما بين 6 و10 تقنيات بشكل سنوي من مرحلة التجربة إلى التطبيق التجاري، مع توقع وصول الأثر الاقتصادي السنوي لهذه الجهود إلى 3 مليارات ريال.
خلال سبع نسخ، جمع “مجتمع أبحاث المياه” أكثر من 1900 باحث وخبير، واستقبل أكثر من 470 مقترح بحثي، فيما بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 47 اتفاقية. وبذلك، فإن أهمية المجتمع لا تقاس بعدد الاتفاقيات وحدها، بل بما سيخرج منها إلى أرض الواقع.

