شكل إعلان تعويم القوات البحرية سفينة “جلالة الملك سعود” في أمريكا، كأولى السفن القتالية ضمن مشروع “طويق” الاستراتيجي، نقطة تحول نوعي في تعزيز السيادة البحرية للمملكة العربية السعودية، ويأتي هذا التدشين تنفيذاً أولياً لمخرجات الشراكة العسكرية رفيعة المستوى التي تجمع القوات البحرية الملكية بشركاء عالميين، وفي هذا السياق تُطرح عدة تساؤلات: ما هو مشروع طويق ودوره الاستراتيجي وما هي دوافع المملكة في التحديث الجديد لأسطولها العسكري البحري؟
مشروع طويق ركيزة للتوطين
يتجاوز مشروع “طويق” كونه مجرد صفقة عسكرية بين بلدين، ليمثل تحوّلاً نوعياّ في استراتيجية الدفاع البحري للمملكة العربية السعودية، فهو يشكل منظومة دفاع متكاملة تترجم هدف المملكة الأسمى الكامن بتعزيز السيادة البحرية ضمن الأماكن الحيوية التي تتقاطع فيها المصالح الدولية، كما يتضمن أربع سفن مدعومة بأحدث الأنظمة القتالية ذات المهام المتعددة.
بينما تتجلى الأهمية الاستراتيجية الدفاعية لـ مشروع طويق، بما يمتلكه من سفن متطورة قادرة على مواجهة التهديدات الأمنية بمختلف أبعادها الجوية والسطحية وتحت السطحية (كسفينة جلالة الملك سعود)، الأمر الذي يعزز من جودة وكفاءة القدرات البحرية الملكية على تعزيز الأمن البحري من جهة وتحصين المنافذ البحرية الحيوية للمملكة من جهة أخرى، وفقاً لما أفاد به رئيس أركان القوات البحرية الفريق الركن محمد بن عبدالرحمن الغريبي.
كما تتماشى أهداف مشروع “طويق” مع “رؤية المملكة 2030” في توطين 50% من الإنفاق العسكري، ليكون بذلك أحد محركات تحقيق مستهدفاتها إلى جانب أبعاده العسكرية الدفاعية، كون دوره لا يقتصر على إنشاء السفن وحسب، بل يتعدى ذلك ليسهم في نقل وتوطين الخبرات والمعارف التقنية، إضافة إلى العمل على تحسين وتحديث قاعدة الملك عبد العزيز البحرية في الجبيل، فضلاً عن تشييد مرافق حديثة خاصة بالتدريب والصيانة.
أما بالنسبة للخدمات المتنوعة الأخرى التي يقدمها المشروع فهي عديدة، بفضل التوجه القيادي السعودي نحو إنشاء مركز صناعي دفاعي مستدام بأيدٍ وطنية، الأمر الذي يتيح فرصاً وظيفية نوعية، إضافة للبرامج التدريبية الحديثة، ما يشكل نقطة تحول ترفع من قيمة القطاع الدفاعي لتجعله منتجاً مستداماً للخدمات التقنية بدلاً من مستهلك، كما يعزز التعاون الاستراتيجي الدفاعي بين الرياض وواشنطن في مواجهة التحديات على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية.
ويشرف على هذا المشروع الاستراتيجي كل من وزارة الدفاع والقوات البحرية الملكية السعودية، وذلك بالتعاون مع شركاء دوليين في إنشاء السفن وتشغيلها بما يتوافق مع استراتيجية تحديث القدرات والإمكانيات البحرية الوطنية.
مليارات الدولارات لتحديث الأسطول السعودي
بخطىً متسارعة واستجابة للتحولات والتغييرات التي يشهدها العالم، تمضي المملكة العربية السعودية نحو تطوير أسطولها البحري، إيماناً منها بضرورة تشكيل قوة بحرية قادرة على المنافسة ومتوافقة مع رؤية 2030، مدفوعة بحقيقة أن 11 سفينة من أصل 16 تم إنتاجها قبل سنة 2010، بالتالي تجاوزت عمرها الافتراضي، 8 سفن منها تعود لأوائل الثمانينيات.
انطلاقاً من هذا التحول، يبرز مشروع طويق كأحد أكبر مشاريع الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة الأمريكية، لإنشاء 4 فرقاطات حديثة من طراز “فريدوم” المعدلة، والتي تعد تكلفتها أعلى بمرتين ونصف تكلفة السفن التي تم التعاقد عليها مع “نافانتيا” الإسبانية.
كما شمل التطوير القطع الصغيرة أيضاً، حيث تضمن الاستحواذ على 137 زورق دورية، 58 منها للبحرية و79 مخصصة لحرس الحدود، مع تحديد ميزانية إضافية تقدر بما يقارب 4 مليارات دولار لعقد صفقات مستقبلية تشمل سفن الإمداد والفرقاطات الخفيفة.
وفي الوقت نفسه، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تعزيز سيادتها الصناعية من خلال شركة “سوفون” في رأس الخير، ساعية نحو تحقيق أهدافها المتمثلة بتدريب الكوادر وصقل مهاراتهم، إلى جانب توطين الصناعة، وهذا ما ترجمته عبر تدريب وتأهيل حوالي 200 موظف سعودي في إسبانيا، علاوة على ذلك تخطط المملكة لرفد الشركة الجديدة بحوالي 105 مهندس سعودي لبناء السفن، بما يحقق رؤية 2030 في حماية الاستثمارات البحرية الممتدة على طول السواحل.
ختاماً، يتضح أن مشروع طويق السعودي يسعى لتحديث القدرات البحرية الملكية، ويشتمل على إنشاء 4 سفن قتالية ذات مهام متعددة، لتمكين الأمن البحري من جهة وتعزيز المصالح الاستراتيجية من جهة أخرى، كما يحظى بدعم تمويلي ضخم إيماناً من المملكة بضرورة سيادتها البحرية بما يتماشى مع رؤية 2030.
اقرأ أيضاً: تحليق غير مسبوق .. ما سرّ تفوق مطار الملك عبد العزيز الدولي؟

