لا تزال المملكة العربية السعودية تسعى نحو تنويع مصادر الدخل الوطني، وتطوير القطاعات الاستراتيجية، وخلق فرص العمل، وصولاً إلى تحسين جودة الحياة، وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.
وتندرج جميع هذه الأهداف ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تدعمها المملكة بعدة أدوات أبرزها صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي لعب دوراً رئيسياً في تحريك عجلة الاستثمار والتنويع الاقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية.
وبما أن الصندوق يُعد واحداً من أكبر الصناديق السيادية في العالم، وفقاً لما يصف الصندوق نفسه، فإن اتساع حجم الاستثمارات وتعاظم دوره الاقتصادي، يجعل من نتائجه المالية دليلاً إحصائياً مهماً على مدى نجاح هذه الاستراتيجية، ولكن اللافت اليوم أن أرقامه الجديدة تكشف عن معادلة مثيرة، فبينما تضاعف صافي أرباح الصندوق خلال عام 2025، تراجع إجمالي عائد المساهمين بنسبة 4.2%.
وفي هذا السياق يُطرح تساؤل مهم: هل الأرقام الحديثة تعكس تراجعاً في أداء الصندوق أم أن ما حققه من أرباح يقدم صورةً مختلفةً؟
في هذا المقال، نضع بين يديك أبرز مؤشرات أداء الصندوق خلال العام الماضي، مع تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء تراجع العوائد رغم نمو الأرباح، وتوجهه نحو التوسع في قطاعات غير تقليدية، للمزيد تابع معنا..
عائد صندوق الاستثمارات العامة السعودي يتراجع والأرباح تتضاعف
أظهر التقرير السنوي لصندوق الاستثمارات العامة السعودي أداءً مالياً قوياً خلال 2025، حيث ارتفعت الإيرادات إلى نحو 9% على أساس سنوي، لتصل إلى 450 مليار ريال سعودي، فيما يواصل الصندوق توسيع محفظته الاستثمارية وتعزيز مكانته وحضوره ضمن قطاعات استراتيجية متعددة على المستويين المحلي والدولي.
ووفقاً للقوائم المالية والتقرير السنوي لصندوق الاستثمارات العامة لعام 2025، تضاعف صافي الربح إلى ما يزيد عن 65 مليار ريال مقارنةً بنحو 25.8 مليار ريال خلال 2024، مسجلاً ارتفاعاً بنحو 152% على أساس سنوي.
ووصل إجمالي الأصول المُدارة إلى نحو 3.396 تريليونات ريال، ليسجل بذلك أكثر من 900 مليار دولار في نهاية 2025، علاوة على ذلك، شهد الربح التشغيلي ارتفاعاً ملحوظاً، حيث وصل إلى 77.9 مليار ريال، مقارنةً بنحو 34.6 مليار ريال في العام السابق.
ما وراء تراجع إجمالي عائد المساهمين؟
على الرغم من تضاعف الأرباح، تراجع إجمالي عائد المساهمين بنسبة 4.2% خلال 2025، فيما بلغ عائد المساهمين السنوي نحو 5.8% منذ 2017، مقابل 7.2% في نهاية 2024، أي أن هناك أداءاً مالياً قوياً تواجهه تحديات تُقرأ بأرقام عائد المساهمين.
والآن نقف عند نقطة مهمة، هل هذا التراجع يعكس ضعف أداء الصندوق؟
للإجابة عن هذا التساؤل نستحضر ما ذكره الصندوق نفسه، فقد أكد عبر تقريره السنوي أن التراجع يعود إلى تأثره بانخفاض قيمة عدد من الأصول، نتيجةً لظروف أسواق المال، بالتوازي مع استمرار الصندوق في ضخّ استثمارات محلية طويلة الأجل، لدعم التحول الاقتصادي في المملكة.
في المقابل، نمو توزيعات أرباح شركات المحفظة، إلى جانب العوائد الجيدة للاستثمارات المالية، ساهم في الحد من آثار هذه الضغوط، بالتالي لا يمكن القول إن تراجع العائد مؤشر على ضعف أداء الصندوق، فقد استطاع موازنة الكفتين، ففي الوقت الذي حقق فيه نمواً قوياً في الإيرادات، واجه ضغوطاً تتعلق بتقييم بعض الأصول، وهو ما أثر على عائد المساهمين.
كما تكشف هذه الأرقام أن تقييم أداء الصندوق يرتبط أيضاً بدوره في دعم الاقتصاد المحلي، إلى جانب تمويل قطاعات استراتيجية وخلق أثر اقتصادي طويل الأجل، لذلك فإن تراجع العائد خلال 2025 يحتاج إلى الوقوف عند طبيعة استثمارات الصندوق وأهدافه طويلة الأمد.
فقد واصل الصندوق دعم الاقتصاد الوطني، حيث بلغت الاستثمارات المحلية التراكمية 750 مليار ريال خلال الفترة ما بين 2021 و2025، أما مساهمته بالناتج المحلي غير النفطي فقد تخطت عتبة 1.28 تريليون ريال خلال الفترة نفسها.
إطلاق شركات ونمو الاستثمارات الدولية
التقرير السنوي الرسمي لصندوق الاستثمارات العامة لعام 2025 يذكر أن الصندوق وسع حضوره الدولي خلال 2025، حيث أطلق خلال هذا العام شركتي “هيوماين” و“إكسبو 2030 الرياض”.
كما تمكن من افتتاح مكاتب لثلاث شركات تابعة له في أوروبا وآسيا (باريس وبكين وشنغهاي)، بالإضافة إلى استثمارات في أسواق رئيسية، والذي أسهم بنمو الاستثمارات الدولية بنسبة 12%.
استراتيجية 2026-2030
بعد ذلك، ينتقل صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى مرحلة جديدة مع استراتيجية 2026-2030، التي تركز على تطوير منظومات اقتصادية محلية تنافسية، وتعظيم قيمة الأصول والعوائد طويلة الأجل، إلى جانب مواصلة الاستثمار في الأسواق الدولية.
ووفقاً للبيانات الرسمية، تشمل الاستراتيجية قطاعات متعددة، منها التصنيع المتقدم والابتكار، والطاقة النظيفة والمياه والبنية التحتية المتجددة، كما يواصل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
بناءً على ما سبق، فإن دور صندوق الاستثمارات العامة السعودي كمستثمر طويل الأجل، يجعله أكثر تعرضاً لتقلبات تقييم الأصول وظروف الأسواق، لا سيما وأنه يواصل ضخ استثمارات محلية ودولية، لدفع عجلة الاقتصاد الوطني المستدام، ومع انتقاله إلى استراتيجية 2026-2030، تتجه الأنظار نحو أدائه القادم، ومدى قدرته على الموازنة بين دعمه التحول الاقتصادي للمملكة وتعظيم العوائد المالية على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030 عن أولويات السعودية الجديدة

