مع اقتراب موسم الأضاحي، تعود أسعار المواشي إلى واجهة النقاش في السعودية، وسط شكاوى متكررة من المستهلكين الذين يرون أن الأسعار تجاوزت قدرتهم الشرائية، مقابل تأكيدات من المربين بأن التكاليف الحقيقية لتربية الأغنام أصبحت مرتفعة بصورة غير مسبوقة. وبين الطرفين، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد أرقام تُعلق على حظائر البيع، إذ ترتبط بواقع بيئي وزراعي واقتصادي يفرض ضغوطاً متزايدة على قطاع تربية المواشي في المملكة.
ندرة الأمطار ترفع كلفة التربية والإنتاج للأضاحي
يرى مربو المواشي أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالمبالغة في الأرباح بقدر ما يعكس تضخم تكاليف الإنتاج في بيئة صحراوية تعتمد بشكل كبير على المشاريع الزراعية والمائية المكلفة. ويؤكد التاجر فهد الحمودي أن قلة الغطاء النباتي وندرة الأمطار دفعت المربين إلى الاعتماد على حفر الآبار العميقة وتوفير الأعلاف عبر مشاريع تحتاج إلى استثمارات ضخمة، سواء من ناحية المعدات أو الصيانة أو استهلاك الطاقة.
وبحسب الحمودي، فإن تكلفة حفر البئر الواحدة قد تصل إلى مئات آلاف الريالات، إلى جانب المصاريف المرتبطة بالأعطال الدورية ونقل المعدات وصيانة شبكات الري. كما تشكل زراعة الأعلاف عبئاً إضافياً، في ظل ارتفاع أسعار البذور والأسمدة وتكاليف تشغيل الرشاشات الزراعية، ما يجعل دورة الإنتاج طويلة ومرهقة مادياً. ويقول مربون إن هذه الضغوط المستمرة دفعت بعض العاملين في القطاع إلى ترك المهنة أو تقليص أعداد المواشي التي يربونها، خاصة مع التغيرات المناخية التي أثرت على وفرة المراعي الطبيعية خلال السنوات الأخيرة.
اقرأ أيضاً: الأجواء الدافئة والجمال الأخّاذ .. تعرّف على درّة تاج السياحة الشتوية السعودية
المستهلك بين الرغبة في الأضحية وضغط المصاريف
في المقابل، يواجه المستهلك السعودي موسم الأضاحي وسط ارتفاع عام في تكاليف المعيشة، ما يجعل أسعار الأغنام محل انتقاد واسع كل عام تقريباً. وبلغ سعر الأضحية من نوعي النجدي والنعيمي هذا الموسم نحو 2200 ريال، فيما وصل سعر الحري إلى قرابة 2000 ريال، وهي أرقام يراها كثيرون مرتفعة، خصوصاً للعائلات ذات الدخل المحدود أو الأسر الكبيرة التي تتزامن التزاماتها مع مصاريف العيد والإجازات الصيفية.
ويقول مواطنون إن شراء الأضحية بات يحتاج إلى إعادة ترتيب للميزانية الشهرية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الغذاء والخدمات والاحتياجات الأساسية الأخرى. كما أن بعض العائلات بدأت تتجه نحو خيارات أقل كلفة أو المشاركة في الأضاحي الجماعية لتخفيف العبء المالي. وبينما يرى المستهلك أن الأسعار لم تعد متناسبة مع قدرته الشرائية، يؤكد المربون أن هامش الربح تقلص مقارنة بحجم النفقات المطلوبة للحفاظ على الإنتاج. وفي النهاية، يقف الطرفان في مواجهة الأزمة نفسها، لكن من جهتين مختلفتين، أحدهما يحاول البيع دون خسارة، والآخر يحاول الشراء دون ديون إضافية.
قطاع المواشي أمام تحديات بيئية واقتصادية متزايدة
يعكس الجدل السنوي حول أسعار الأضاحي تحديات أعمق يواجهها قطاع الثروة الحيوانية في السعودية، تتعلق بالمناخ وندرة الموارد الطبيعية وارتفاع تكاليف التشغيل. فالمملكة تعتمد بدرجة كبيرة على حلول زراعية وتقنيات مكلفة للحفاظ على استمرارية الإنتاج المحلي، خاصة مع تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع الطلب الموسمي على الأغنام خلال فترات الأعياد.
كما أن بعض السلالات المحلية، مثل النجدي، أصبحت أكثر ندرة وتحتاج إلى عناية خاصة داخل مزارع متخصصة، ما يزيد من قيمتها السوقية وكلفة تربيتها. ويرى مختصون أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع السوق مستقبلًا نحو مزيد من الاعتماد على الاستيراد أو التوسع في الحلول الحديثة لتقليل تكاليف الأعلاف والمياه، في محاولة لتحقيق توازن بين حماية الإنتاج المحلي وتوفير أسعار مقبولة للمستهلكين.
ورغم كل الجدل، يبقى موسم الأضاحي في السعودية أكثر من مجرد حركة بيع وشراء، فهو موسم تتقاطع فيه الاعتبارات الدينية والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد. وبين المربي الذي يحسب تكلفة الماء والعلف، والمواطن الذي يحسب ما تبقى من راتبه قبل العيد، تبدو الأضحية هذا العام صورة مكثفة عن اقتصاد كامل يحاول التكيف مع بيئة قاسية وأسعار لا تعرف الرحمة كثيراً.

