دخل 35 منتجاً من منطقة المدينة المنورة ضمن قائمة تضم 180 منتجاً في مبادرة “سفينة التذوق” العالمية، التي تمثل سجلاً إلكترونياً لتوثيق المنتجات الغذائية التراثية وحمايتها ودعم المنتجين المحليين. وتبرز المشاركة التنوع الذي تتميز به المنطقة في المنتجات الزراعية والغذائية، والتي ارتبط بعضها بتاريخ المدينة المنورة وثقافتها وأنماط الحياة التي توارثتها الأجيال على مدى سنوات طويلة. كما تمنح المبادرة هذه المنتجات مساحة للتعريف بها خارج نطاقها المحلي، بما يربط الغذاء بالهوية الثقافية ويضع المنتجات التقليدية ضمن مشهد عالمي يهتم بحماية التنوع الغذائي.
منتجات من المدينة تحمل ذاكرة المكان
تشمل القائمة عدداً من المنتجات التي تعكس طبيعة الإنتاج الزراعي والغذائي في منطقة المدينة المنورة، من بينها قمح العيص، وتمر البرني في العيص، والنعناع الحساوي، وعسل الفقرة الجبلي، والحماط المديني. كما تضم القائمة خبز الشريك والبشام والكرنب المديني والنبق المديني، إلى جانب منتجات أخرى تمثل تنوع المائدة المحلية واختلاف الموارد الزراعية والغذائية بين مناطق المدينة ومحافظاتها. ولا تقتصر قيمة هذه المنتجات على كونها مواد غذائية، إذ يرتبط كثير منها بعادات وطرق إنتاج وتحضير انتقلت بين الأجيال، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من الحفاظ على جانب من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة.
تتعامل مبادرة “سفينة التذوق” مع المنتجات التقليدية باعتبارها جزءاً من التراث الذي يستحق التوثيق والحماية، وليس مجرد سلع يمكن تداولها في الأسواق. فخلف كل محصول أو منتج تقليدي قصة تتعلق بطريقة زراعته أو إنتاجه أو تحضيره، إضافة إلى الأدوات والمعارف التي استخدمها المنتجون عبر أجيال متعاقبة.
من هذا المنطلق، تتيح المشاركة فرصة للتعريف بالممارسات الغذائية المحلية وإبراز علاقتها بالبيئة والمجتمع، خصوصاً أن بعض المنتجات ترتبط بظروف زراعية ومناخية وموارد طبيعية محددة.
اقرأ أيضاً: “اكتشف عسير” ضمن أفضل 10 مواقع لعشاق الطعام 2026
دعم المنتجين المحليين
تسهم هذه المشاركات الدولية أيضاً في منح المنتجين المحليين فرصة أكبر للوصول إلى جمهور مهتم بالمنتجات التراثية والغذاء التقليدي. ويمكن أن يساعد إدراج المنتجات في منصات دولية متخصصة على زيادة التعريف بها ورفع قيمتها الثقافية والتجارية، إلى جانب تشجيع المنتجين على الاستمرار في زراعة المحاصيل المحلية والحفاظ على طرق الإنتاج التقليدية كما يفتح الاهتمام الدولي بالمنتجات التراثية المجال أمام تطويرها وتسويقها بطريقة حديثة، من دون أن تفقد ارتباطها بمصدرها وهويتها المحلية.
تواجه بعض المنتجات الغذائية التقليدية تحديات مرتبطة بتغير أنماط الاستهلاك وتراجع بعض الممارسات الزراعية القديمة، وهو ما يجعل توثيقها خطوة مهمة للحفاظ عليها. ولا يتعلق الأمر بالمنتج النهائي فقط، بل يشمل المعرفة المرتبطة بزراعته واختياره وتخزينه وتحضيره، وهي تفاصيل قد يصعب استعادتها إذا انقطعت سلسلة نقلها بين الأجيال.
ومن هنا، تكتسب مشاركة منتجات المدينة المنورة أهمية تتجاوز إدراج أسماء جديدة في قائمة عالمية، لأنها تسهم في تسليط الضوء على منظومة متكاملة من الممارسات والمعارف التي تشكل جزءًا من الموروث المحلي.
حضور سعودي في منصات التراث الغذائي
تعكس المشاركة كذلك حضور المنتجات السعودية في المبادرات الدولية التي تهتم بالتنوع الغذائي وحماية التراث الزراعي والغذائي. فالمنتج المحلي عندما ينتقل من نطاق السوق المحلية إلى منصة دولية، لا يحمل معه قيمته الاقتصادية فقط، بل يقدم صورة عن البيئة التي نشأ فيها والمجتمع الذي حافظ عليه والطرق التي ساهمت في بقائه. وبالنسبة إلى المدينة المنورة، تمنح هذه المشاركة فرصة لإبراز جانب مختلف من هويتها، بعيدًا عن المعالم والمواقع التاريخية المعروفة، عبر التعريف بمائدة المنطقة ومنتجاتها الزراعية والغذائية.
تقدم “سفينة التذوق” نموذجاً لكيفية تحويل المنتجات الغذائية التقليدية إلى وسيلة للتعريف بالثقافة والبيئة والمجتمع. ومع إدراج 35 منتجاً من المدينة المنورة ضمن قائمتها، تجد منتجات ارتبطت بحياة السكان ومواسمهم وأساليبهم الزراعية طريقها إلى جمهور أوسع، في وقت لم يعد فيه التراث الغذائي مجرد وصفات محفوظة في الذاكرة، بل أصبح عنصراً يمكن توثيقه وحمايته وتطوير حضوره اقتصادياً وثقافياً.
ختاماً، بين قمح العيص وتمور البرني وعسل الفقرة والمنتجات الأخرى، تبدو المائدة المدينية كأنها تحمل حكاية المكان بطريقتها الخاصة، حكاية تبدأ من الأرض وتنتهي على منصة عالمية، حيث يصبح الطعام وسيلة أخرى لقراءة تاريخ المجتمع وهويته.

