جاء اتصال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار Mohammad Ishaq Dar في 25 يوليو 2026 بعد أيام من انتقال التهديد في البحر الأحمر من التحذير إلى استهداف سفن مرتبطة بالسعودية. تناول الاتصال خفض التصعيد، واستمرار التشاور، وحماية الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو توقيت يطرح سؤالاً عملياً حول ما إذا كانت الرياض وإسلام آباد تتجهان إلى ترتيب بحري جديد، أم تختبران قدرة اتفاق دفاعي قائم على التعامل مع أزمة لم تكن تفاصيلها معلنة عند توقيعه.
البيان السعودي عن الاتصال بقي ضمن إطار سياسي ودبلوماسي. لم يعلن انتشاراً بحرياً مشتركاً أو مهمة لمرافقة السفن، كما لم يحدد آلية تنفيذية جديدة. لكن موقف باكستان خلال الأيام السابقة رفع مستوى الاهتمام، لأنها اعتبرت أي عمل عدائي ضد سفن ترفع علمها أو مصالحها البحرية تهديداً خطيراً لأمنها القومي، وأكدت احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات الضرورية للدفاع عنها وفق القانون الدولي.
أمن الممرات تحت الضغط
بدأ التصعيد المباشر في 20 يوليو عندما أعلن الحوثيون فرض ما وصفوه بحصار بحري على الشحن المرتبط بالسعودية. وبعد ذلك تحولت التهديدات إلى حوادث ميدانية، بينها استهداف السفينة السعودية NCC MASA في 24 يوليو خلال إبحارها في البحر الأحمر. قالت الهيئة العامة للنقل السعودية إن الهجوم تسبب بإصابة طفيفة في بدن السفينة، وإنها واصلت رحلتها إلى وجهتها، لكن الأثر الأوسع ظهر في قرارات الشركات قبل أن يظهر في حجم الأضرار المعلنة.
أفادت بيانات ملاحية نقلتها رويترز Reuters بأن خمس ناقلات غيرت مساراتها في البحر الأحمر في 22 يوليو، بعدما حذرت القوة البحرية الأوروبية «أسبيدس» Aspides السفن المرتبطة بالسعودية والولايات المتحدة وإسرائيل من ارتفاع مستوى الخطر. بعض الناقلات التي حملت النفط من ميناء ينبع اتجهت شمالاً نحو قناة السويس بدلاً من عبور باب المندب، ما يطيل الرحلة ويرفع كلفة الوقود والتأمين ويؤخر وصول الشحنات.
توضح المقارنة حجم الحساسية. بلغ تدفق النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب نحو 8.7 ملايين برميل يومياً في 2023، ثم انخفض إلى قرابة 4 ملايين برميل يومياً خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2024 مع اتساع الهجمات وتحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح. عاد التدفق إلى 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأول من 2026 وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية U.S. Energy Information Administration، لذلك جاء التصعيد الجديد بينما كان المسار يستعيد جزءاً من نشاطه، لا بعد زوال آثار الأزمة السابقة.
الكلفة لا تتوقف عند شركات النفط. تغيير طريق ناقلة من ينبع إلى شرق آسيا يمكن أن يضيف قرابة شهر إلى الرحلة ونحو 2.5 مليون دولار إلى نفقاتها بحسب تقديرات جمعتها رويترز. تنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى أسعار الشحن والتأمين، ثم إلى كلفة الطاقة والسلع التي تعتمد على النقل البحري، حتى عندما لا يُغلق الممر بالكامل.
اتفاق دفاعي وحدوده
وقعت السعودية وباكستان في 17 أيلول 2025 اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، ونص البيان الرسمي على أن أي اعتداء على أحد البلدين يُعد اعتداءً عليهما معاً. الاتفاق أعطى العلاقة الدفاعية الممتدة منذ عقود صيغة أكثر وضوحاً، وربط التعاون بهدف تعزيز الردع المشترك، لكنه لم ينشر تفاصيل تحدد نوع الرد أو زمنه أو المجال الجغرافي الذي يشمله.
تحدثت الخارجية الباكستانية لاحقاً عن التدريب والمناورات والتعاون العسكري الجاري، وأوضحت أن الاتفاق لا يُقرأ فقط من زاوية نشر القوات. وفي 2 يوليو 2026 وقع وزيرا الداخلية في البلدين مذكرة تفاهم جديدة في القطاع الأمني، من دون نشر بنودها. تظهر هذه الخطوات أن البنية المؤسسية للعلاقة تتوسع، لكنها لا تقدم حتى الآن دليلاً على وجود قيادة بحرية مشتركة أو قوة دائمة لحماية الممرات.
برز هذا الحد بوضوح في المؤتمر الصحفي للخارجية الباكستانية في 23 يوليو. سُئل المتحدث طاهر أندرابي Tahir Andrabi عن احتمال حماية السفن السعودية وعن انتشار قوات بحرية باكستانية في البحر الأحمر، فأكد أن اتفاقات الدفاع مع السعودية نافذة، ثم أحال تفاصيل الانتشار وتحديد ما يشكل هجوماً إلى الجهات العسكرية المختصة. الإجابة أبقت الالتزام السياسي قائماً وتركت طريقة تنفيذه خارج المجال العلني، وكذلك خارج الجدل الإعلامي.
التطور الحالي يضع الاتفاق أمام اختبار بحري واضح منذ توقيعه. تطبيقه قد يبدأ بتبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق بين القوات البحرية، وقد يصل إلى حماية سفن أو رفع الجاهزية قرب الممرات، لكن المصادر الرسمية لم تعلن أياً من هذه الخطوات. لذلك يصعب وصف الاتصال الأخير بأنه إنشاء إطار جديد، فيما يمكن اعتباره بحثاً في كيفية استخدام ترتيبات موجودة تحت ضغط أزمة متسارعة.
بين الردع وخفض التصعيد
تتعامل السعودية مع البحر الأحمر باعتباره جزءاً أساسياً من أمن الطاقة، خصوصاً عندما ترتفع المخاطر في مضيق هرمز. ينقل خط الشرق والغرب الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها مؤقتاً إلى 7 ملايين بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. هذا الخط يقلل الاعتماد على هرمز، لكن الصادرات المتجهة من ينبع إلى آسيا تبقى مرتبطة بباب المندب، ما يجعل تعرض الممرين للضغط في وقت واحد مشكلة تشغيلية واستراتيجية.
باكستان لديها مصلحة مباشرة في حرية الملاحة، كما أن اتفاقها الدفاعي مع السعودية يفرض عليها إظهار قدر من المساندة عندما تتعرض المصالح السعودية للتهديد. في الوقت نفسه، واصلت إسلام آباد اتصالاتها مع إيران ودعت إلى خفض التصعيد والحوار. هذا التوازن يفسر الجمع بين لغة حازمة بشأن حماية السفن وبين الامتناع عن إعلان انتشار عسكري أو مهمة هجومية في البحر الأحمر.
يمكن لترتيب بحري منظم بين البلدين أن يخفف الغموض أمام شركات الشحن، إذا حدد مسؤوليات الحماية وآليات تبادل المعلومات وطريقة الاستجابة للحوادث. لكن الإعلان عن مظلة عسكرية واسعة قد يزيد احتمال احتكاك باكستان المباشر مع الحوثيين أو أطراف أخرى في الصراع، ويضع دورها الدبلوماسي مع إيران تحت ضغط أكبر. لهذا يبقى شكل المشاركة أهم من حجم التصريحات السياسية المصاحبة لها.
المؤشر الحاسم سيكون إعلان آلية قابلة للقياس. قد تتمثل في مركز تنسيق مشترك، أو دوريات معلنة، أو ترتيبات لمرافقة السفن، أو مناورات مخصصة لحماية خطوط الطاقة. غياب هذه العناصر يعني أن العلاقة ما زالت تعمل عبر الاتفاق الدفاعي القائم والتشاور السياسي، حتى لو ارتفعت الجاهزية بعيداً عن الإعلام.
المتاح حتى 25 يوليو يثبت أن السعودية وباكستان تنسقان أمن الممرات فوق قاعدة دفاعية أُنشئت قبل الأزمة الحالية، لكنه لا يثبت قيام إطار بحري جديد. استمرار الهجمات سيضغط على الطرفين للانتقال من التعهد العام إلى قرارات تنفيذية أوضح. وحتى ظهور تلك القرارات، يبقى الاتصال محاولة لتقوية الردع وحماية التجارة مع إبقاء باب خفض التصعيد مفتوحاً.
اقرأ أيضاً: ما وراء الحرب النووية .. سيناريوهات مرعبة لما يسببه السخام في كوكبنا!

