لا تكشف أزمات الطاقة قيمة البنية التحتية فقط، بل تكشف أيضاً قيمة الزمن، فعندما تقول أرامكو إن السعودية تستطيع تحويل نحو 5 ملايين برميل يومياً إلى ينبع خلال أيام، فالمعنى يتجاوز زيادة الشحن أو تغيير ميناء التحميل، لأنه يشير إلى امتلاك مسار بديل جاهز يمكنه أن يخفف صدمة تعطل أحد أهم معابر النفط في العالم من دون انتظار أسابيع من الارتباك.. وهنا يظهر أن أنبوب الشرق والغرب ليس مجرد أصل تقني داخل المملكة، بل أداة توازن تمس إيقاع السوق العالمي كله.
أنبوب الشرق والغرب عملياً
يمتد أنبوب الشرق والغرب من شرق السعودية إلى ساحل البحر الأحمر، ويمنح المملكة منفذاً برياً يتجاوز مضيق هرمز. ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تبلغ طاقته الأساسية 5 ملايين برميل يومياً، مع قابلية مؤقتة للارتفاع إلى 7 ملايين برميل يومياً عند الحاجة. وهذا يعني أن عبارة خلال أيام لا تتعلق ببناء طاقة جديدة، بل بتفعيل طاقة موجودة أصلاً ونقل كميات أكبر إلى ينبع عبر خط قائم ومحطات ضخ ومرافق تخزين وتصدير جرى اختبارها على مدى سنوات.
كما أن تشغيل محطة ينبع الجنوبية في 2018 أضاف 3 ملايين برميل يومياً إلى طاقة التصدير على الساحل الغربي، وهو ما عزز جاهزية هذا المسار في لحظات الضغط. وفي المعنى التشغيلي، يشير ذلك إلى أن السعودية قادرة على استعادة جزء كبير من تدفقها التصديري بسرعة إذا تعثر المرور عبر الخليج.
وتشير التغطيات المنقولة عن مكالمة نتائج أرامكو في 10 مارس 2026 إلى أن ما يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً يمكن تخصيصه للتصدير عبر البحر الأحمر، بينما يذهب الجزء المتبقي من القدرة المتاحة إلى تغذية المصافي على الساحل الغربي.
لذلك فإن أنبوب الشرق والغرب يعمل هنا كأداة امتصاص فوري للصدمة، لا كبديل نظري بعيد التنفيذ. ويعزز هذا الفهم أن حصة ينبع من صادرات الخام السعودية المنقولة بحراً بلغت مستوى قياسياً وصل إلى 18 في المئة في الربع الثاني من 2024، ما يعني أن البنية الغربية لم تعد هامشية في معادلة التصدير.
لماذا يهم العالم
تتضح أهمية الخط عندما نتذكر حجم الاعتماد العالمي على مضيق هرمز. فإدارة معلومات الطاقة الأميركية تقدّر أن نحو 20.7 مليون برميل يومياً عبرت المضيق في 2024، وهو رقم يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. كما أن السعودية وحدها كانت قد شحنت عبر هرمز 6.2 ملايين برميل يومياً في 2023، أي ما يعادل 42 في المئة من الخام الذي مر عبر المضيق في ذلك العام. لذلك فإن أي قدرة سعودية على تحويل جزء معتبر من هذه الكميات بعيداً عن هرمز تحمل أثراً نفسياً وفعلياً في السوق معاً.
من هذه الزاوية، يصبح تحويل 5 ملايين برميل يومياً إلى ينبع أقرب إلى صمام تخفيف عالمي. فهو لا يعوض كل ما قد يتعطل في الخليج، لكنه يمنع الاختناق الكامل، ويمنح المشترين وشركات التكرير والناقلات وقتاً لإعادة ترتيب العقود والمسارات. وليس من المصادفة أن الوكالة الدولية للطاقة أعلنت في 11 مارس 2026 أكبر سحب من الاحتياطيات الطارئة في تاريخها، ما يوضح أن العالم كان يتعامل مع اضطراب واسع النطاق، وأن أي مسار بديل مثل أنبوب الشرق والغرب يخفف الضغط على السوق ولو جزئياً.
حدود القدرة السريعة
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير أنبوب الشرق والغرب بوصفه حلاً سحرياً، فالسعودية كانت تصدر نحو 6 ملايين برميل يومياً عبر هرمز قبل الأزمة الأخيرة وفق بيانات تداول نقلتها رويترز، ما يعني أن تحويل 5 ملايين برميل يومياً إلى ينبع يقترب من استعادة معظم الصادرات لا كلها. كذلك فإن الوصول إلى هذا المستوى يظل محكوماً بعاملين، أولهما قدرة مرافق ينبع نفسها على تحميل هذا الحجم بصورة مستدامة، وثانيهما سلامة الملاحة في البحر الأحمر.
البيانات المبكرة لشهر مارس 2026 تعكس هذه الفجوة بوضوح، فقد بلغ متوسط التحميلات من ينبع 2.2 مليون برميل يومياً في الأيام التسعة الأولى من الشهر، مع توقعات بإمكانية تجاوز 4 ملايين برميل يومياً إذا تكثفت عمليات التحميل وارتفع عدد الناقلات.
ومعنى ذلك أن أنبوب الشرق والغرب يوفر القدرة النظرية والحركية، لكن ترجمة هذه القدرة إلى تدفقات فعلية تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الإمداد البري، وجدولة الناقلات، والتأمين البحري، وحالة الممرات المائية جنوب البحر الأحمر.
وحتى حين تشير بعض التقديرات التجارية إلى أن مرافق ينبع تستطيع مناولة أكثر من 4.5 ملايين برميل يومياً، فإن السوق لم يختبر هذا المستوى لفترة طويلة بما يكفي للحكم عليه باعتباره طاقة مستقرة بالكامل.
ما الذي يتغير
الأثر الأهم لهذا التحول لا يقتصر على الكمية، بل يشمل خريطة المخاطر، فالشحن من ينبع يجعل الإمدادات السعودية إلى أوروبا والبحر المتوسط أكثر أمناً وسرعة نسبياً لأنه يتجنب هرمز أصلاً، بينما تبقى الإمدادات المتجهة إلى آسيا أكثر تعقيداً إذا استمرت الاضطرابات في المسارات البحرية الأخرى. ولهذا بدأت أرامكو، بحسب تقارير رويترز، مطالبة بعض المشترين بتقديم خطط تحميل مزدوجة من رأس تنورة وينبع، في إشارة إلى أن المرونة التجارية أصبحت جزءاً من إدارة الأزمة.
بهذا المعنى، يبدو وصف أنبوب الشرق والغرب بأنه خط نجاة عالمي وصفاً مفهوماً، لكن بشرط فهمه على نحو دقيق، لأن الخط لا يلغي هشاشة سوق النفط، ولا يعوض كامل طاقات الخليج، ولا يضمن وحده هدوء الأسعار، لكنه يمنح السعودية والعالم نافذة زمنية ثمينة، ويخفض احتمال الانقطاع الحاد، ويؤكد أن معارك الطاقة الحديثة لا تُحسم فقط عند الآبار والموانئ، بل تُحسم أيضاً في قدرة الدول على تحويل الجغرافيا إلى بدائل جاهزة عند اللحظة الحرجة.
اقرأ أيضاً: مضيق هرمز “عنق الزجاجة”: سيناريوهات السعودية لتأمين الإمدادات والتصدير

