سطّرتِ المملكة العربية السعودية إنجازاً مائياً جديداً يُضاف لفصول تقدّمها العالمي بمختلف القطاعات التقنية والنفطية وغيرها، حيث توّجت كإحدى أكبر موزّعي المياه المحلّاة على مستوى العالم، وذلك انطلاقاً من مشاريعها الضخمة كالمشروع المعروف باسم “أنهار سعودية جديدة” ، وصولاً إلى تسخير الابتكارات لخدمة الطلب المائي المتزايد، بما يتماشى مع رؤية 2030.
ولكن على الرغم من هذه القفزة التاريخية إلا أنها مصحوبة بتحديات جمّة لا بدّ من الوقوف عندها كونها تمثّل العائق الأبرز لشبكة ضخمة تتوزع فروعها على مساحات واسعة، وتتعلق بالاستهلاك الطاقي الضخم، وضمان الاستدامة البيئية والتشغيلية، وفي هذا السياق يُطرح تساؤل هام: كيف يمكن للسعودية تجاوز هذه التحديات وتسخيرها لخدمة أمنها المائي؟ وما هي الأبعاد الحقيقية لهذه الريادة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
“أنهار سعودية جديدة”
للحديث عن التحوّل النوعي للمملكة من الحاجة إلى الريادة العالمية وإنتاج المياه المحلّاة وتوزيعها، لا بدّ من العودة إلى الماضي وأولى الخطوات الجدية، ففي عام 1905 أُنشِئت وحدة التكثيف الأولى من نوعها ضمن السعودية تحت مسمى “الكنداسة”، لتصل فيما بعد إلى إنشاء إحدى أكبر شبكات توزيع المياه في العالم، بطول يتخطّى 14000 كم، مقابل امتداد فروعها لما يزيد عن 130 ألف كم.
وبذلك، حققت السعودية إنجازاً مائياً يسجل لها عبر التاريخ بحروف من ذهب، يتمثّل اليوم بقفزتها القياسية مع مشروع “أنهار سعودية جديدة” ، وهو عبارة عن مجموعة من الشبكات الضخمة لضخّ المياه المحلّاة بارتفاعٍ يصل إلى 3000م فوق سطح البحر، مع تسجيل ضغطٍ يبلغ 90 باراً تقريباً، كخطوة سبّاقة في تغذية عمق المملكة ذات البيئة الأكثر جفافاً على المستوى العالمي.
وبلغة الأرقام تتحدث إنجازات المملكة اليوم عن نفسها، حيث تعمل بقدرة إنتاجية تفوق 11 مليون م³ يومياً، 7.5 مليون من الهيئة المائية، ومن القطاع الخاص 3.6 مليون، بينما تتوّج رأس الخير بالصّدارة كونها المحطة الأكبر في العالم، وذلك نتيجة لقدرتها الإنتاجية المتجاوزة للمليون م³ في اليوم، مع توليد كهربائي يصل إلى 2400 ميجاوات، ضمن مشروع استثماري تقدّر قيمته بنحو 25 مليار ريال.
وفي هذا السياق، يشير رئيس هيئة المياه، عبدالله العبدالكريم، إلى تشغيل السعودية لأضخم أنظمة نقل المياه عالمياً، موضحاً القفزة النوعية في المساهمة بالحدّ من الانبعاثات بما يتجاوز 37 مليون طن متري لكلّ سنة، وذلك عبر التوجه المستهدف للتناضح العكسي فضلاً عن الطاقة المتجددة.
وعلى ذلك، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق الأمن المائي المستدام بما يتماشى مع رؤية 2030، عبر مشاريعها التوسعية لإعادة تدوير المياه كإنجاز “أنهار سعودية جديدة” المشروع الأضخم على الإطلاق، وإنشاء مصنع الأغشية الأول محلياً مع حلول 2025، لتحظى نتيجة لذلك بالاعتراف الدولي المتمثّل بإقامة مؤتمر تحلية المياه وإعادة استعمالها العالمي في سنة 2026.
ونتيجة لما سبق، يعتبر مشروع “الأنهار الجديدة” ، بمثابة قفزة تاريخية من الحاجة الملحّة إلى الريادة العالمية سعياً لتحقيق الأمن المائي والمستقبل الاقتصادي لأجيال المستقبل.
تحديات الإنجازات المائية
على الرغم من الإنجازات المشهودة للمملكة العربية السعودية في مجال تحلية المياه، وما وصلت إليه إنجازات، إلّا أنها تقف أمام تحديات لا يُستهان بها، والتي تتركز على القدرة التشغيلية والهندسية فضلاً عن الاستدامة البيئية.
فالإنجاز المائي المتمثل بارتفاع المياه لما يقارب 3000م، فوق مستوى سطح البحر، تحت ضغط 90 باراً تقريباً، يقابله تحديات تتعلق بحاجتها لاستهلاك طاقي ضخم، ما يؤدي إلى الضغط على البنية التحتية الطاقية، ويتحول نحو الطاقة المتجددة لتفادي تفاقم الانبعاثات الكربونية.
إضافة إلى ذلك، فإن إدارة توزيع المياه الهائلة والتي تتوزع على ما يزيد عن 14000 كم، تقع في مواجهة الضمان المستمر للصيانة مع تجنب الانقطاع الإمدادي، وهذا ما يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لمشروع يغطي مساحات شاسعة من التجمعات السكنية والأماكن النائية.
وفي سياق متصل، تأتي التحديات التشغيلية بشكل يومي كجزء رئيسي من التحديات التي تواجه الإنجازات المائية السعودية، وتتمثل بجودة وكفاءة الري مع إعادة تدوير المياه تجنّباً للهدر الزراعي، إلى جانب البحث عن حلول أكثر استدامة وابتكاراً على المدى الطويل، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على المياه المحلّاة مع استمرار النمو السكاني.
استدامة الأمن المائي
أما بالنسبة للمستقبل، فالمملكة العربية السعودية تسعى نحو تحقيق استدامة الأمن المائي السعودي، مع دراسة التحديات الطبيعية لتكون فرصاً حقيقية للابتكارات والإبداعات وصولاً إلى تحقيق التنمية المنشودة، فمشاريعها الضخمة “أنهار سعودية جديدة”، لا تقتصر على تأمين المياه وتلبية الطلب المتزايد فحسب، بل تعمل على تكوين بنية تحتية شاملة وأكثر استدامة، وصولاً ألى التنمية الاقتصادية ودعم النمو السكاني، ضمن الأماكن الجافّة والنائية.
بينما يتجلى التزام السعودية بأهمية الاستدامة البيئية من خلال المبادرات القائمة على الطاقة المتجددة، وابتكارات تحلية المياه ذات الانبعاثات المنخفضة، كتقنية التناضح العكسي، إضافة إلى الطاقة الشمسية، نتيجة لذلك، يبرز النظام المائي السعودي كنموذج عالمي يحقق التوازن بين الجودة والابتكار مع المسؤولية البيئية.
فيما تسعى المملكة أيضاً إلى ترجمة رؤية 2030، عبر ما تنادي به من تحقيقٍ للوفرة المائية، مع تحسين الاستجابة للطلب المتزايد بجودة وكفاءة، إضافة إلى تعزيز التعاون مع القطاع الخاص في مجال الابتكار والإبداع، مع المحافظة على الأنظمة البيئية، ما يشكّل انطلاقة قوية للشبكة المائية السعودية لتصبح إحدى الثروات الوطنية الكبرى، التي تُجهّز للأجيال القادمة حتى تنعم ببيئة مستقرة آمنة، إلى جانب تحقيق المملكة للريادة العالمية في الابتكار والتنمية المائية المستدامة.
ختاماً، استطاعت المملكة العربية السعودية تحقيق إنجازات يمكن وصفها بشبه المستحيلة، عبر تخطيطها الذكي إلى جانب الاستخدام المثالي للتقنيات التي أصقلت جودة المشاريع المائية الضخمة، لتصبح المملكة اليوم من أكبر موزعي المياه المحلاة عالمياً، إلا أن ذلك لا يلغي كمية التحديات التي تواجهها تلك المشاريع الضخمة، ما يستدعي الوقوف عندها والعمل على حلّها وتسخيرها حتى تكون قوة دفع جديدة للاستدامة المائية، وصولاً إلى تجسيد رؤية 2030.
اقرأ أيضاً: نجاحات توطين الصناعة في السعودية.. 22 منتجاً محلياً يرتقي بالاقتصاد الوطني

