لم يعد بناء التحالفات العسكرية مجرد أمر طارئ في عالم يزداد تعقيداً. فوسط أزمات دولية متشابكة، من الحرب في أوكرانيا إلى سباق التسلح التكنولوجي، تسعى الدول المتوسطة والصاعدة إلى إعادة تموضعها في خارطة القوى العالمية. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الدفاع المجري، كريستوف سالاي بوبروفينسكي Kristóf Szalay-Bobrovniczky، إلى المملكة العربية السعودية كخطوة ذات دلالة رمزية واستراتيجية، دشّنت أول حوار دفاعي رسمي بين البلدين.
الزيارة التي جرت في التاسع من يوليو 2025، لم تكن بروتوكولية بمضمونها، بل بدت مدخلاً لتأسيس شراكة طويلة الأمد بين دولتين تسعيان إلى تعزيز أمنهما الإقليمي واستقلالهما التكنولوجي.
السعودية والمجر: من التبادل إلى التخطيط المشترك
استقبل وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، نظيره المجري في جدة، حيث عقد الجانبان سلسلة محادثات تناولت آفاق التعاون العسكري والدفاعي. وعلى رأس جدول الأعمال، برزت ملفات التدريب العسكري، تبادل الخبرات، واستكشاف فرص مشتركة في قطاع الصناعات الدفاعية الحديثة.
وبحسب ما صرّح به الوزير المجري في مقابلة خاصة مع صحيفة «عرب نيوز»، فإن الزيارة تمثل لحظة محورية، باعتبارها اللقاء الرسمي الأول بين وزيري الدفاع في تاريخ البلدين. كما أكد أن الطرفين ناقشا مبادرة لتوقيع مذكرة تفاهم تُنظّم التعاون الدفاعي وتضع أسسه المؤسسية.
تحدث سالاي بوبروفينسكي بانبهار عن التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. وقال: «هذه زيارتي الثانية للمملكة، وكانت الأولى قبل قرابة عشر سنوات. ما رأيته اليوم مختلف تماماً… التحول مذهل».
وأشاد الوزير المجري برؤية السعودية 2030، معتبراً أنها ليست مجرد وثيقة سياسية بل مشروع وطني متكامل ينعكس على البنية التحتية، والتخطيط الحضري، والنهضة التقنية، وحتى على ديناميكية المجتمع السعودي. ورأى أن هذه التغيرات عزّزت مكانة المملكة كقوة إقليمية ذات حضور عالمي متصاعد.
قوى إقليمية عاقلة
أثنى بوبروفينسكي على ما وصفه بالدور «البنّاء» للمملكة في الساحة الدولية، لاسيما فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية. واعتبر أن الرياض، من خلال نهجها الحيادي والمتوازن، باتت تمثل نقطة ارتكاز في الحوار الدولي، وتؤدي دور الوسيط الموثوق.
وقال الوزير المجري: «في عالم يشهد تصعيدات عسكرية متكررة، نحتاج إلى قوى إقليمية عاقلة قادرة على تثبيت الاستقرار، والسعودية تؤدي هذا الدور بشكل متزايد».
وأضاف أن الموقف السعودي من الحرب الروسية الأوكرانية يتناغم مع موقف المجر، التي ترفض الحلول العسكرية وتدعو لحوار سياسي شامل.
مستقبل مشترك: التكنولوجيا والابتكار الدفاعي
لم تقتصر النقاشات بين الجانبين على الأمور العسكرية التقليدية، بل شملت أيضاً آفاق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المتقدمة. وأشار الوزير المجري إلى اهتمام بلاده بالتعاون مع مؤسسات مثل الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)، واصفاً إياها بأنها باتت لاعباً أساسياً في التحول نحو التصنيع الدفاعي المحلي.
كما عرض بوبروفينسكي مبادرة بلاده المتمثلة في «معهد الابتكار البحثي الدفاعي المجري»، وهو مركز حديث يدمج البحث الأكاديمي مع الصناعة والاحتياجات العملياتية للجيش المجري. وأكد أن هذا المعهد يوفر أرضية للتعاون الثنائي في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأنظمة غير المأهولة، والاستشعار عن بعد.
خطوات عملية نحو شراكة هيكلية
وفي إطار حديثه، كشف الوزير المجري عن خطط لاستضافة وفد عسكري سعودي في بودابست خلال الفترة المقبلة، لعرض الإمكانات المتاحة في مجالات التدريب والتسليح والتكنولوجيا الدفاعية.
وقال: «نحن نؤمن بإمكانية بناء شراكة استراتيجية تقوم على الثقة والمصالح المشتركة. لدينا الإرادة السياسية، والإمكانيات المؤسسية، والتقارب في الرؤية، وهذه العناصر كافية للانطلاق». مضيفاً أن بلاده مستعدة لاستقبال عسكريين سعوديين في مؤسساتها التعليمية، التي تحتضن بالفعل عدداً كبيراً من الطلاب العسكريين من دول العالم.
وفي ختام حديثه، شدد سالاي بوبروفينسكي على أن السعودية لم تعد مجرد لاعب إقليمي، بل باتت ذات تأثير عالمي، لا سيما في ملفات الطاقة والدبلوماسية والتنمية. وقال إن بلاده تنظر إلى المملكة كشريك موثوق، يستطيع من خلال استقراره الداخلي ومكانته الاقتصادية أن يُسهم في بناء أمن جماعي إقليمي ودولي.
ومن الملاحظ أن هذه الزيارة تأتي في سياق اهتمام سعودي واضح بتوسيع شراكاتها الدفاعية والعسكرية، لا سيما مع الدول الأوروبية. وقد شهدت الأعوام الأخيرة تنامياً في العلاقات بين الرياض وعدد من العواصم الغربية في مجالات التصنيع الدفاعي والتدريب العسكري المشترك.
وحول المجر، فهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتتبنّى موقفاً حذراً من انخراط عسكري مباشر في النزاعات، مع ميل إلى تعزيز صناعتها الدفاعية الوطنية عبر شراكات دولية. وتتقاطع مصالح البلدين في الرغبة ببناء تحالفات استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء، وتطوير قدرات مستقلة، وتجاوز الاعتماد على قوى كبرى في مجال الدفاع.
نبذة تاريخية عن العلاقات السعودية المجرية
بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية المجر في أبريل 1995، عندما أعلن البلدان افتتاح قنوات اتصال رسمية، وسرعان ما تحولت إلى شراكة متعددة الأبعاد. ففي أكتوبر 1996، استأنفت المجر تمثيلها الدبلوماسي في الرياض بفتح سفارتها، فيما افتتحت السعودية سفارة في بودابست في ديسمبر 2001، وهو ما يرمز إلى تحول العلاقات من مجرد تفاهم إلى وجود رسمي دائم على مستوى السفارات.
في العقد الأول من الألفية، تبلورت شراكات اقتصادية ورياضية بين الجانبين، إذ تم توقيع اتفاقية للتعاون في مجالات الشباب والرياضة عام 2000 في الرياض، تلتها اتفاقية عامة للتعاون الحكومي في أكتوبر 2010 بالعاصمة المجرية. وتلاه توقيع مذكرة تفاهم بشأن المشاورات الثنائية السياسية بين وزارتي خارجية البلدين في أكتوبر 2011 في الرياض، أعقبه تحضير لاتفاقيات في مجالات تجنب الازدواج الضريبي، وحماية الاستثمار، والتعليم.
على المستوى البرلماني، شهدت العلاقات زخماً جديداً خلال الذكرى الخامسة والعشرين لإقامة العلاقات الدبلوماسية في 2020، حيث أكد السفير السعودي لدى بودابست أن الحوار المستمر بين البلدين يرتكز على «الشراكة القائمة على الثقة المتبادلة»، مع دعوتين متبادلتين لاستكشاف المزيد من الفرص في المجالات الاقتصادية والسياسية. وفي عام 2015، تم توقيع اتفاقية تعاون في الطاقة النووية السلمية، بالإضافة إلى تأسيس مشروع مشترك في منشآت البنية التحتية، تعكسهما زيارة وزير المجرية للطاقة إلى الرياض.
وتُصنّف المجر السعودية «كطرف استراتيجي رئيسي» بين شركائها الدوليين، في حين تشهد العلاقات تقدماً ملموساً على المستويات البرلمانية، السياسية، والاقتصادية، كما يشهد المساران التجاري والثقافي على تبادل للزيارات الرسمية ومجلس الأعمال السعودي – المجري الطامح لتوسيع التعاون في مجالات الصناعة والسياحة والتكنولوجيا.
ختاماً، اليوم، تفتح السعودية والمجر صفحة جديدة في علاقتهما، تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى صياغة شراكة استراتيجية مبنية على المصالح المتبادلة والاستثمار في المستقبل. وبينما تسعى المملكة إلى توطين التكنولوجيا الدفاعية وتعزيز استقلال قرارها الأمني، تبحث المجر عن شركاء موثوقين في عالم ما بعد الأزمات.
اقرأ أيضاً: الهند والبرازيل تريدان مجلس الأمن.. فما الذي يمنع السعودية؟!

