تتبدل صورة الاقتصاد عندما تدخل البيانات إلى قلب المصانع، وعندما تصبح الخدمة الحكومية تجربة رقمية، لذلك يبدو سؤال أين وصلت السعودية سؤالاً عن نتائج ملموسة لا عن شعارات. في هذا التقرير نراجع ما تعلنه الجهات الرسمية عن التحول، ونضع الأرقام في سياقها لفهم ما تغيّر وما يزال قيد البناء.
وسنميز بين الخطط المعلنة وما تحقق على الأرض، مع الإشارة إلى أن سرعة التقدم تختلف بين قطاع وآخر، وأن نجاح أي تحول يقاس بقدرته على الاستمرار وخلق قيمة مضافة محلية.
التقدم الصناعي والتكنولوجي في السعودية
الإطار الأوسع هو رؤية السعودية 2030 التي تجمع بين تنويع الاقتصاد وبناء بنية تحتية حديثة. وفي الصناعة، تفيد وكالة الأنباء السعودية أن الاستراتيجية الوطنية للصناعة تركز على 12 قطاعاً فرعياً، وتحدد أكثر من 800 فرصة استثمارية بنحو تريليون ريال، وتهدف إلى مضاعفة قيمة الصادرات الصناعية لتصل إلى 557 مليار ريال.
وفي التعدين، تذكر وثائق رؤية 2030 أن تقدير الثروة المعدنية يتجاوز 2.5 تريليون دولار، مع تحديد أكثر من 45 معدناً، ما يوسع فرص التصنيع المرتبط بالمعادن وتقنيات الطاقة.
مصانع تتوسع وتتنوع محلياً
الأرقام الحديثة تعطي مؤشراً على اتساع القاعدة الصناعية. إذ تشير وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى وجود 40 مدينة صناعية وأكثر من 12 ألف مصنع حتى نهاية 2024، مع خطة للوصول إلى نحو 36 ألف مصنع بحلول 2035.
وذكرت منصات اقتصادية تنقل عن الوزارة أن عام 2023 شهد إصدار 1,379 ترخيصاً صناعياً وبدء الإنتاج في 1,058 مصنعاً، وهو ما يعكس انتقال مشاريع من الترخيص إلى التشغيل. ومع هذا التوسع، يتكرر الحديث عن التقدم الصناعي والتكنولوجي في السعودية بوصفه انتقالاً من الكم إلى تحسين الإنتاجية، لذلك تظهر مبادرات مثل برنامج مصانع المستقبل الذي يستهدف نقل 4,000 مصنع نحو الأتمتة والكفاءة التشغيلية، وهو توجه يرتبط أيضاً بتحسين استهلاك الطاقة وتقليل الهدر.
رقمنة حكومية وبنية اتصالات
التقدم التقني لا يظهر فقط في الشركات الناشئة، بل في جودة البنية التي تعمل فوقها. فقد أعلنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات أن السعودية تقدمت 25 مرتبة في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لعام 2024، ووصلت إلى المركز الرابع عالمياً في مؤشر الخدمات الرقمية.
وأظهر تقرير الإنترنت السعودي 2024 أن انتشار الإنترنت بلغ 99%، وأن الاعتماد على الهاتف المحمول في الاستخدام وصل إلى 99.4%. هذا الانتشار يساعد الصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية ويقلل تكلفة الوصول إلى الأسواق.
كما تدفع سياسة الحوسبة السحابية أولاً الجهات الحكومية إلى تفضيل الحلول السحابية عند بناء الخدمات، بينما تعمل هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية على تحديث تنظيم خدمات الحوسبة السحابية بما يوضح حقوق والتزامات مقدمي الخدمة والمستخدمين.
البيانات والذكاء الاصطناعي السعودي
يتحرك محور الذكاء الاصطناعي في السعودية بين بناء القدرات ووضع الأطر. تعرض سعوديبيديا أن الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تستهدف إدراج المملكة ضمن أفضل 15 دولة في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بينما يقدم مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سجلاً لتطور السياسات والمبادرات.
وبالنسبة للصناعة، القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تظهر حين يستخدم لتقليل الهدر وتحسين الصيانة التنبؤية ورفع كفاءة الطاقة وربط الطلب بالإنتاج.
تقانة عميقة وسلاسل توريد محلية
المرحلة الأحدث هي الدخول إلى صناعات تقانة عميقة تتطلب استثماراً طويل النفس. فقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة إطلاق شركة آلات في فبراير 2024 بهدف جعل السعودية مركزاً عالمياً للإلكترونيات والصناعات المتقدمة، مع تركيز على التصنيع المستدام ودعم البحث والتطوير وتوطين المعرفة، وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الشركة تستهدف تصنيع أكثر من 30 فئة منتجات تشمل أنظمة روبوتية وأنظمة اتصالات وحواسيب متقدمة.
وفي أشباه الموصلات، أعلنت وكالة الأنباء السعودية عن إطلاق المركز الوطني لأشباه الموصلات بهدف دعم 50 شركة متخصصة، وتدريب وتوظيف 5,000 مهندس في تصميم الدارات المتكاملة، وجذب استثمارات تتجاوز مليار ريال بحلول 2030.
وفي تصنيع المركبات الكهربائية، تعرض صفحات مشاريع رؤية 2030 مشروع سير، بينما تؤكد شركة لوسيد في بيانها أن منشأتها في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية بدأت بطاقة تجميع أولية تبلغ 5,000 مركبة سنوياً مع خطط للتوسع. وعلى صعيد توطين الصناعات الدفاعية، أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية وصول نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 24.89% بنهاية 2024.
بهذه الصورة يمكن القول إن التقدم الصناعي والتكنولوجي في السعودية تجاوز مرحلة التخطيط العام إلى مؤشرات تشغيل وتنظيم وبنية تحتية، مع بقاء أسئلة حاسمة حول الإنتاجية وجودة الوظائف وحجم الابتكار المحلي. ونجاح المسار في الأعوام المقبلة سيتحدد بمدى قدرة المصانع على التصدير والمنافسة، وبمدى انتقال المعرفة من الشراكات إلى مهارات محلية مستقرة، وبقدرة التنظيم على تحقيق توازن بين جذب الاستثمار وحماية المنافسة والبيئة.
اقرأ أيضاً: الملكية الفكرية السعودية في أوجها .. كيف يراها قطاع الصناعة والتعدين؟

