لا يمكن التعامل مع السكن من خلال نسبة التملك وحدها، فأثره الحقيقي يظهر في القسط الشهري، وفي مدة الالتزام المالي، وفي موقع المسكن من العمل والمدرسة والخدمات. لذلك لا ينتهي سؤال السكن بمجرد ارتفاع المؤشر العام. يبقى السؤال قائماً، لكن بصيغة أكثر تحديداً: ما الكلفة الفعلية؟ وأي نموذج يمكن أن يجعل التملك ممكناً من دون أن يتحول إلى عبء طويل؟
إطلاق أول مركزية تعاونية للإسكان في السعودية يفتح هذا الباب. الخبر في ظاهره تنظيمي. وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وافقت على تسجيل أول مركزية متخصصة في الإسكان التعاوني، واعتماد مجلس إدارتها، لتكون مظلة وطنية تدعم الجمعيات الإسكانية وتوحد جهود 30 جمعية في مختلف مناطق المملكة. لكن الدلالة لا تقف عند التسجيل. السعودية، وهي تقترب من مستهدف رفع تملك الأسر إلى 70% بحلول 2030، تختبر الآن مساراً أقل صخباً من المشاريع الكبرى وأكثر قرباً من السؤال العملي: كيف يمكن خفض كلفة السكن من دون ترك الأسرة وحدها أمام السوق؟
مركزية تعاونية للإسكان: ما الذي تغيّر؟
المركزية الجديدة لا تقدم نفسها كمطور عقاري تقليدي. وفق ما نُشر في صحيفة الاقتصادية، قال ماجد عوّاض سعد الحارثي، رئيس مجلس إدارة المركزية التعاونية للإسكان، إن الهدف هو رفع كفاءة القطاع التعاوني الإسكاني عبر تمكين الجمعيات تنظيمياً وفنياً، وخفض التكاليف التشغيلية من خلال الحلول المشتركة، وتوحيد الدراسات والمخططات والتصاميم الهندسية، وتدريب الكفاءات، وتطوير خدمات ترفع جودة المشاريع واستدامتها.
هذا الكلام يبدو فنياً، لكنه يمس أصل المشكلة. كثير من المبادرات السكنية لا تتعثر بسبب غياب الحاجة، بل بسبب تشتت الجهود وضعف الخبرة وتكرار الكلفة. جمعية في منطقة تبحث عن أرض، وأخرى تبدأ دراسة، وثالثة تفاوض مقاولاً، ورابعة لا تملك خبرة كافية في التمويل أو التصميم أو الحوكمة. إذا كانت المركزية قادرة على تجميع هذه الجهود، فقد تخفض الهدر وتقلل تكرار الأخطاء. وإذا تحولت إلى طبقة بيروقراطية إضافية، فلن تقدم شيئاً يذكر.
الفارق هنا مهم. الإسكان التعاوني ليس مجرد بيع وحدة بسعر أقل. فكرته أن تُدار الحاجة السكنية ضمن إطار منظم يربط بين المستفيدين والجمعيات والجهات الداعمة، بحيث تقل الكلفة وتصبح الرقابة أوضح. وزارة البلديات والإسكان تعرف المبادرة بوصفها مساراً لتنظيم وتحفيز الجمعيات التعاونية ذات الأغراض الإسكانية، وتوفير وحدات ميسورة التكاليف عبر تطوير الأطر القانونية وبناء قدرات الجمعيات ونشر الوعي. أي إن المسألة ليست عقاراً فقط، بل بناء قدرة مؤسسية داخل المجتمع.
بهذا المعنى، يحاول النموذج التعاوني إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والأسر. الدولة توفر الإطار والتنظيم والدعم، والقطاع الخاص يدخل في التنفيذ والخدمات، والجمعيات تمثل حاجة المستفيدين بصورة أقرب إلى الواقع المحلي. نجاح هذا الترتيب مرهون بوضوح الأدوار والتمويل والرقابة، لا بمجرد إعلان النموذج.
التملك لا يحل الكلفة وحده
حققت السعودية تقدماً واضحاً في ملف التملك. تقرير رؤية 2030 لعام 2025 أشار إلى وصول نسبة تملك الأسر السعودية إلى 66.24% بنهاية 2025، مقتربة من مستهدف 70% في 2030. وذكرت وزارة البلديات والإسكان أن أكثر من 54 ألف أسرة استفادت من برامج الدعم السكني خلال النصف الأول من 2025، وأن أكثر من 48 ألف أسرة سكنت منازلها في الفترة نفسها، مع توقيع أكثر من 27 ألف تمويل مدعوم لأصحاب الدخل المنخفض، واستفادة نحو 3800 أسرة من مسارات الإسكان التنموي.
وهذه أرقام ثقيلة، لكنها لا تلغي السؤال الآخر، ارتفاع التملك لا يعني تلقائياً أن السكن أصبح ميسوراً بالمعنى الاجتماعي العميق. قد يرتفع التملك عبر التمويل الطويل، وقد تتحسن المؤشرات، لكن الأسرة تبقى أمام كلفة الأرض والبناء والتمويل والخدمات والصيانة. عند هذه النقطة يصبح النموذج التعاوني مهماً، لأنه يقترب من كلفة إنتاج الوحدة نفسها، لا من طريقة تمويلها فقط.
خفض كلفة السكن يرتبط بسعر الأرض، ونمط التصميم، وكفاءة التنفيذ، وسلسلة الموردين، وطريقة إدارة المشروع. إذا استطاعت المركزية أن توحد الدراسات والمخططات، وتطور نماذج بناء قابلة للتكرار من دون الإضرار بالجودة، وتفاوض المقاولين والموردين باسم كتلة أوسع من الجمعيات، فقد يتحول خفض الكلفة إلى نتيجة ملموسة. أما إذا بقيت الجمعيات تعمل كجهات صغيرة ومتفرقة، فستظل قدرتها محدودة أمام أسعار السوق وتعقيداته.
المسألة لا تعني استبدال نموذج الإسكان القائم. السعودية تملك منظومة واسعة تشمل الدعم السكني، والشركة الوطنية للإسكان، وبرامج التمويل، والإسكان التنموي. المركزية التعاونية لا تأتي لتلغي ذلك. دورها المحتمل أن تملأ فراغاً بين الدعم الحكومي والمطور الخاص، خاصة للفئات التي تحتاج سعراً أكثر ملاءمة، ومشاركة أوسع، وحلاً لا يتحول إلى عبء طويل الأمد.
الاختبار في الحوكمة
النموذج التعاوني يقوم على المشاركة، لكنه لا ينجح بمجرد رفع هذا العنوان. يحتاج إلى حوكمة واضحة، وعضوية مفهومة، وحقوق والتزامات، وشفافية في التكلفة، وتوزيع عادل للمنافع. وزارة الموارد البشرية تتيح تأسيس الجمعيات التعاونية إلكترونياً، مع إجراءات تتصل بالعضوية وترشيح مجلس الإدارة وإصدار شهادة التسجيل. هذه البوابة القانونية مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. العبرة في طريقة الإدارة بعد التسجيل.
الأسئلة العملية أكثر قسوة من العناوين. كيف ستُختار المشاريع؟ هل ستبنى على حاجة مكانية حقيقية أم على فرص أرض متاحة فقط؟ كيف سيعرف العضو كلفة الوحدة قبل الالتزام؟ من يراقب عقود المقاولين؟ هل ستتحول التصاميم الموحدة إلى وسيلة خفض كلفة، أم إلى نمط جامد لا يناسب اختلاف المدن والأسر؟ وكيف ستُحمى الجمعيات من الدخول في مشاريع أكبر من قدرتها؟
سعوديبيديا تشرح أن مبادرة الإسكان التعاوني تعمل وفق آلية ترصد الحاجة الفعلية المكانية للمواطنين، بالاستناد إلى قواعد بيانات المستفيدين لدى وزارة البلديات والإسكان ووكالة الضمان الاجتماعي، مع النظر إلى الخدمات القريبة مثل الصحة والتعليم. هذه النقطة يجب ألا تضيع. المسكن لا يُقاس بسعره وحده. موقعه من العمل والمدرسة والمواصلات والخدمات جزء من كلفته الحقيقية على الأسرة.
لذلك فإن المركزية التعاونية للإسكان ستكون أمام اختبار مزدوج. الأول أن تثبت قدرتها على مساعدة الجمعيات في إنتاج وحدات بجودة مناسبة وكلفة أقل. والثاني أن تثبت أن العمل التعاوني ليس مدخلاً جديداً للمجاملة أو الغموض، بل أداة تنظيم ورقابة وخفض كلفة. إذا نجحت في ذلك، فقد تضيف السعودية إلى سياساتها السكنية نموذجاً اجتماعياً واقتصادياً أكثر مرونة. وإذا فشلت، ستبقى المركزية عنواناً تنظيمياً لا يغير شيئاً كبيراً في حياة الأسر.
الخلاصة أن إطلاق أول مركزية تعاونية للإسكان لا يعني أن السعودية وجدت الحل النهائي لمسألة السكن. لكنه يشير إلى انتقال مهم في النقاش، من التركيز على حجم المعروض ونسبة التملك فقط، إلى السؤال عن الكلفة وطريقة التنظيم. وهذا تطور يستحق المتابعة. فالتملك لا يصبح ميسوراً بمجرد دخوله في المؤشر، بل عندما تستطيع الأسرة تحمّل المسكن من دون أن يتحول القسط والموقع والخدمات إلى ضغط دائم عليها. وهنا سيظهر إن كان النموذج التعاوني بداية مسار جديد، أم مجرد محطة أخرى في طريق طويل.
اقرأ أيضاً: ثلاث جوائز دولية ترسم ملامح السكن الحديث في مشاريع NHC

