تتزايد التحديات المرتبطة بتلوث المياه حول العالم مع اتساع النشاط الصناعي وارتفاع الحاجة إلى موارد مائية نظيفة وآمنة. وفي ظل البحث المستمر عن حلول مبتكرة تجمع بين الكفاءة والاستدامة البيئية، يبرز دور الأبحاث العلمية في تطوير تقنيات جديدة قادرة على مواجهة الملوثات بطرق أكثر فعالية وأقل ضرراً على البيئة. وفي هذا السياق، تمكن فريق بحثي في جامعة الحدود الشمالية بالمملكة العربية السعودية من تطوير أغشية حيوية مركبة تعتمد على مواد طبيعية وصديقة للبيئة، في خطوة قد تسهم مستقبلاً في تحسين أساليب معالجة المياه والحد من آثار التلوث الصناعي.
تقنية حيوية تعتمد على مكونات طبيعية تعالج تلوث المياه
اعتمدت الدراسة على استخدام مستخلص بذور الشيا مع مادة كلوريد السيتيل بيريدينيوم لتطوير أغشية حيوية تتمتع بخصائص متقدمة في تنقية المياه. وتكمن أهمية هذا الابتكار في اعتماده على مكونات حيوية مستدامة يمكن إنتاجها بتكاليف منخفضة مقارنة ببعض المواد التقليدية المستخدمة في هذا المجال. كما تسهم هذه المقاربة في تقليل الاعتماد على المواد الكيميائية ذات التأثيرات البيئية السلبية، ما يجعلها أكثر توافقاً مع التوجهات العالمية الرامية إلى تعزيز التقنيات الخضراء والحفاظ على الموارد الطبيعية. ويؤكد الباحثون أن استخدام المواد الطبيعية في معالجة المياه يمثل اتجاهاً واعداً يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام تطوير حلول بيئية أكثر كفاءة واستدامة.
اقرأ أيضاً: تعزيز المحتوى المحلي.. فرص وتحديات في قطاع المياه السعودي
فعالية عالية في إزالة الملوثات ومكافحة الميكروبات
ركزت الدراسة على اختبار قدرة الأغشية المطورة على إزالة صبغة “أليزارين ريد”، وهي من الأصبغة المستخدمة على نطاق واسع في الصناعات النسيجية وتعد من الملوثات العضوية التي يصعب التخلص منها في بعض الأحيان. وأظهرت النتائج قدرة عالية على امتصاص هذه الملوثات وإزالتها من المياه بفعالية ملحوظة، بفضل البنية المسامية المتطورة للأغشية الحيوية. ولم تقتصر مزايا الابتكار على معالجة الملوثات فحسب، بل أظهرت الأغشية أيضاً خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات، وهو ما يعزز من قيمتها العلمية والتطبيقية، إذ يمكن أن تسهم في الحد من نمو الكائنات الدقيقة الضارة داخل أنظمة المياه المختلفة وتحسين جودة المياه المعالجة.
نحو مستقبل أكثر استدامة للموارد المائية
يمثل هذا الإنجاز نموذجاً للدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعات ومراكز البحث العلمي في مواجهة التحديات البيئية المتزايدة. فمع تراجع الموارد المائية في العديد من المناطق وازدياد الضغوط الناتجة عن التلوث الصناعي، تبرز الحاجة إلى حلول مبتكرة تجمع بين الفعالية الاقتصادية والاستدامة البيئية. ويأمل الباحثون أن تسهم مثل هذه التقنيات في تطوير أنظمة معالجة مياه أكثر تطوراً وقابلية للتطبيق على نطاق واسع مستقبلاً، بما يدعم حماية الموارد المائية ويحسن جودة الحياة. كما يعكس هذا الابتكار التوجه المتنامي نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والبحث العلمي، حيث تتحول المختبرات الجامعية إلى منصات لإنتاج حلول عملية قادرة على معالجة قضايا حيوية تمس المجتمع والبيئة على حد سواء.

