لا تتحرك السياسة دائماً بصوت عال. أحياناً يكفي اتصال قصير كي نعرف أن شيئاً في الإقليم بلغ درجة لا تسمح بتركه للصدفة. لا بيان طويل، ولا مؤتمر صحفي، ولا مبادرة معلنة. فقط خط مفتوح بين عاصمتين، وكلمات محسوبة عن خفض التصعيد، وأمن المنطقة، واستقرارها.
هذا ما تقوله اتصالات الأمير فيصل بن فرحان في الأسابيع الأخيرة. ليست مجرد نشاط دبلوماسي عابر، وليست أيضاً دليلاً على أن التهدئة أصبحت قريبة. هي أقرب إلى محاولة ضبط الإيقاع قبل أن يصبح الضجيج أعلى من قدرة السياسة على التدخل. السعودية هنا لا تعلن أنها تمسك بكل الخيوط، لكنها لا تريد أن تكون خارج حركة الخيوط نفسها.
من إيران إلى قطر والبحرين وأفغانستان، تظهر خريطة واسعة لحركة واحدة. الأطراف مختلفة، والملفات ليست متطابقة، لكن المفردات التي تتكرر في البيانات الرسمية واحدة تقريباً. خفض التوتر، متابعة المستجدات، التنسيق، أمن المنطقة. هذه ليست عبارات تزيينية بالكامل. في لحظة التوتر، تصبح اللغة الرسمية نفسها جزءاً من السياسة.
اتصالات فيصل بن فرحان وسؤال التهدئة
تبدو اتصالات فيصل بن فرحان، إذا قُرئت منفصلة، أخباراً عادية في سجل وزارة خارجية نشطة. اتصال مع وزير خارجية إيران. اتصال مع رئيس الوزراء وزير خارجية قطر. اتصال مع وزير خارجية البحرين. اتصال مع وزير خارجية أفغانستان. لكن القراءة البطيئة تقود إلى نتيجة أخرى. المسألة ليست في عدد الاتصالات، بل في توقيتها وتجاورها واتجاهها.
في 28 شباط 2026، تلقى وزير الخارجية السعودي اتصالاً من وزير خارجية أفغانستان أمير خان متقي، وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الاتصال بحث التطورات الإقليمية الأخيرة والجهود المبذولة لخفض التصعيد وحدّة التوتر، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. في 15 آذار، تلقى اتصالاً من الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية قطر، وبحث معه مستجدات التطورات في المنطقة والجهود الرامية إلى إحلال الأمن والاستقرار. وفي 16 آذار، جرى اتصال مع وزير خارجية البحرين الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، تناول المستجدات الراهنة في المنطقة واستمرار التنسيق الثنائي.
ثم جاء الاتصال مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المنشور في 21 شوال 1447، ليضع الخيط الأكثر حساسية في الصورة. قالت وزارة الخارجية السعودية إن الاتصال بحث مجريات الأوضاع وسبل الحد من وتيرة التوتر بما يسهم في عودة أمن واستقرار المنطقة. لا توجد هنا لغة مبالغة. لا مصالحة كبرى، ولا وعد بتسوية، ولا حديث عن اختراق. هناك فقط اعتراف عملي بأن التوتر بلغ مستوى يحتاج إلى قناة مفتوحة.
ما الذي تقوله اللغة الرسمية؟
البيانات السعودية قصيرة عادة. هذا معروف. لكنها، في هذه الحالة، قصيرة بطريقة تكشف لا بطريقة تخفي فقط. فهي تتجنب التفاصيل العسكرية أو الاتهامات المباشرة في خبر الاتصال، وتختار بدلاً من ذلك مفردات عامة لكنها محددة الاتجاه. الأمن والاستقرار. خفض التصعيد. التنسيق. المستجدات. هذه الكلمات لا ترسم سياسة كاملة، لكنها ترسم حدود الحركة.
حين تكرر الخارجية السعودية هذه العبارات مع إيران وقطر والبحرين وأفغانستان، فهي لا تقول إن الملفات واحدة. بل تقول إن نقطة الالتقاء بينها هي منع الانزلاق. فالاتصال مع طهران يختلف في طبيعته عن الاتصال مع الدوحة أو المنامة. الأول يلامس مصدر توتر مباشر أو أحد مصادره. الثاني والثالث يخصان البيت الخليجي وحاجته إلى حد أدنى من التنسيق. أما الاتصال مع كابل، فيفتح نافذة على الجوار الآسيوي الأوسع، حيث لا تبقى الأزمات محصورة دائماً داخل حدودها الأولى.
هنا تظهر السياسة كما هي في لحظات الخطر. ليست قراراً واحداً يغيّر كل شيء. هي إدارة متدرجة للتوتر، ومحاولة لإبقاء الأبواب مواربة. الباب المغلق يريح الخطاب، لكنه لا يبرد الأزمة.
إيران أولاً، لأن خط الأزمة يمر من هناك
لا يمكن قراءة هذه الاتصالات من دون وضع إيران في مركز التحليل. العلاقة السعودية الإيرانية دخلت منذ آذار 2023 مساراً جديداً بعد اتفاق بكين الذي نص على استئناف العلاقات الدبلوماسية، وإعادة فتح السفارات والبعثات خلال مدة لا تتجاوز شهرين، وتأكيد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كان ذلك الاتفاق مهماً، لكنه لم يكن عصا سحرية. فتح الباب، ولم يلغِ أسباب الحذر.
في السياسة، عودة السفارات شيء، وتبدل البنية العميقة للصراع شيء آخر. الثقة لا تُبنى بقرار واحد. والمصالح المتضاربة لا تختفي لأنها وجدت صيغة دبلوماسية أكثر هدوءاً. لذلك يصبح الاتصال السعودي الإيراني في 2026 اختباراً لمسار 2023، لا امتداداً شكلياً له فقط.
بحسب وزارة الخارجية السعودية، دار الاتصال الأخير مع عباس عراقجي حول مجريات الأوضاع وسبل الحد من وتيرة التوتر. هذه الصياغة تكفي لمعرفة أن الرياض لا تتعامل مع الحوار بوصفه زينة سياسية. الاتصال هنا أداة منع ضرر. لا يعني أن الخلاف انتهى، ولا أن الثقة اكتملت، بل يعني أن قطع الخط يصبح في لحظة ما أخطر من إبقائه مفتوحاً.
الخليج يبحث عن إيقاع واحد
إذا كان الاتصال مع إيران يمس خط الأزمة المباشر، فإن الاتصالين مع قطر والبحرين يمسان خطاً آخر لا يقل أهمية. الخليج لا يستطيع التعامل مع التوتر كجزر منفصلة. كل دولة لها حسابها، نعم. لكل دولة هامشها، وشبكة علاقاتها، وطريقة قراءتها للتهديد. لكن الأزمة حين تتحرك في الإقليم لا تسأل كثيراً عن هذه الفروق.
قطر تمتلك تجربة واضحة في الوساطات والاتصالات الخلفية، وقد حضرت في ملفات متعددة خلال السنوات الأخيرة. والبحرين تقع في نقطة حساسة من الحساب الأمني الخليجي، بحكم موقعها وتركيبتها وارتباطها المباشر بأسئلة الاستقرار في الخليج. لذلك لا تبدو اتصالات 15 و16 آذار مجرد تبادل مواقف. إنها جزء من محاولة ترتيب الحد الأدنى من الموقف الخليجي، أو على الأقل منع تشتته.
التنسيق هنا ليس تفصيلاً بروتوكولياً. في الأزمات، قد يكون غياب التنسيق سبباً لتضخيم الخطر. موقف حاد من عاصمة، وصمت من أخرى، ورسالة غير واضحة من ثالثة، كل ذلك يسمح للأزمة بأن تكبر في الفراغ بين العواصم. أما الحد الأدنى من التشاور، فيمنع المفاجآت، ويمنح القرار السياسي زمناً إضافياً. الزمن في الأزمات ثروة.
أفغانستان في طرف الخريطة لا خارجها
قد يبدو حضور أفغانستان في سلسلة الاتصالات بعيداً للوهلة الأولى. لكن المنطقة لم تعد تُقرأ بخريطة مدرسية. التوتر في الخليج يتصل بوسط آسيا، وبإيران، وبباكستان، وبالممرات التي تتحرك عبرها السياسة والاقتصاد والمخاطر الأمنية. لذلك لا يمكن التعامل مع اتصال وزير خارجية أفغانستان بوصفه تفصيلاً خارج النص.
البيان السعودي عن اتصال 28 شباط استخدم المفردات نفسها تقريباً. التطورات الإقليمية، خفض التصعيد، الأمن والاستقرار. هذا التكرار مهم. فهو يعني أن الرياض تنظر إلى الأزمة كشبكة، لا كمربع واحد. كل عقدة في الشبكة قد تكون مفيدة لاحقاً، سواء في تمرير رسالة، أو قراءة موقف، أو منع سوء فهم.
لا يعني ذلك أن كابل أصبحت طرفاً مركزياً في تهدئة خليجية. هذا سيكون استنتاجاً أكبر من النصوص المتاحة. لكن وجود الاتصال يدل على أن السعودية لا تضيق خريطة الحركة. في الأزمات المركبة، لا تعرف دائماً أي قناة ستصبح نافعة في اللحظة التالية.
بين التحذير والحوار
الدبلوماسية السعودية لا تتحرك بلغة التهدئة وحدها. فقد نقلت وسائل إعلام دولية في آذار 2026 عن الأمير فيصل بن فرحان تحذيره من أن صبر دول الخليج تجاه الهجمات الإيرانية ليس مفتوحاً بلا حدود، ودعوته طهران إلى إعادة حساباتها. كما تحدثت تقارير عن استهداف منشآت مدنية ونفطية ومطارات ومناطق سكنية في دول خليجية، وعن تأكيد حق الدول المتضررة في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي.
هذا الجانب ضروري لفهم الصورة. السعودية لا تريد أن تبدو وكأنها تقايض الأمن بمجرد إبقاء الحوار قائماً. وفي الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى قوة دفع نحو توسع الحرب. بين هذين الحدين تتحرك السياسة. تحذير من جهة، واتصال من جهة أخرى. الردع لا يلغي الحوار، والحوار لا يلغي الحاجة إلى الردع.
هذه معادلة دقيقة. إذا انخفضت اللغة السعودية أكثر مما ينبغي، فقد تُقرأ ضعفاً. وإذا ارتفعت أكثر مما ينبغي، فقد تصبح جزءاً من التصعيد. لذلك تأتي الاتصالات كمساحة وسطى. لا ترفع راية الاستسلام للوقائع، ولا تغلق باب العودة إلى السياسة.
هل تكون السعودية منصة تهدئة؟
وصف السعودية بأنها منصة تهدئة إقليمية يحتاج إلى ضبط. المنصة لا تعني أن الرياض تملك مفاتيح الحل كلها. هذا غير واقعي. المنطقة تضم قوى دولية وإقليمية عديدة، وفيها مسارات عسكرية وأمنية واقتصادية لا تخضع لإرادة طرف واحد. لكن المنصة تعني شيئاً آخر. تعني أن السعودية تستطيع جمع خطوط متباعدة، أو إبقاءها قابلة للتواصل، أو منعها من الانقطاع الكامل.
هذا الدور يستند إلى أكثر من عامل. هناك وزن سياسي واقتصادي وديني. وهناك مصلحة مباشرة في أمن الخليج والملاحة والطاقة والاستثمار. وهناك أيضاً رغبة سعودية واضحة في تثبيت صورة الدولة التي لا تكتفي بردود الفعل، بل تحاول إدارة موقعها في النظام الإقليمي الجديد. هذا لا يعني نجاحاً مضموناً. لكنه يعني أن الحركة ليست عشوائية.
اللافت أن الرياض لا تقدم نفسها، في النصوص الرسمية، كوسيط يعلن مبادرة كبيرة. ربما لأن اللحظة لا تحتمل إعلاناً كبيراً. المبادرات الكبيرة تحتاج إلى شروط ناضجة، وإلى أطراف تريد الخروج من الأزمة لا استخدامها. أما في اللحظات الرمادية، فقد يكون الدور العملي أكثر تواضعاً، وأهم في الوقت نفسه. فتح خط. تهدئة عبارة. ترتيب اتصال. منع موقف من أن يذهب بعيداً.
حدود الحركة السعودية
كل ذلك لا يلغي الحدود. السعودية لا تستطيع وحدها ضبط صراع تتقاطع فيه واشنطن وطهران وتل أبيب وعواصم أخرى. ولا تستطيع أن تضمن التزام الأطراف بخفض التصعيد إذا كانت حساباتها العسكرية أو الداخلية تدفعها في اتجاه آخر. كما أن العلاقات السعودية الإيرانية، رغم اتفاق 2023، ما زالت محكومة بإرث ثقيل من الشك والصراعات بالواسطة وملفات المنطقة المفتوحة.
لكن السياسة لا تُقاس دائماً بقدرتها على الحل النهائي. أحياناً تُقاس بقدرتها على تقليل الخسائر، وتأخير الانفجار، وشراء وقت إضافي للعقل. من هذه الزاوية، تصبح اتصالات فيصل بن فرحان أكثر من حركة بروتوكولية. هي محاولة لجعل الدبلوماسية حاضرة في لحظة تميل بطبيعتها إلى لغة السلاح.
الفرق كبير بين من يراقب الأزمة ومن يحاول الدخول في إيقاعها. المراقب ينتظر النتيجة. أما من يدخل الإيقاع، فقد لا يغير المسار وحده، لكنه يمنع أحياناً أن تسير الأحداث بلا فرامل.
ما الذي يمكن أن ينتج؟
لا ينبغي تحميل هذه الاتصالات أكثر مما تحتمل. لا توجد في البيانات الرسمية إشارة إلى اتفاق جديد، ولا إلى مسار وساطة مكتمل، ولا إلى جدول تفاوض معلن. الموجود هو شبكة اتصالات، ومفردات تهدئة، ومحاولة لتنسيق المواقف. هذا قليل إذا قيس بحجم الأزمة، لكنه ليس قليلاً إذا قيس بطبيعة المنطقة.
يمكن لهذه الشبكة أن تساعد في ثلاث نقاط. الأولى منع سوء الفهم، خاصة عندما تكون الرسائل العسكرية أو الإعلامية أعلى من الرسائل السياسية. الثانية حماية الحد الأدنى من التنسيق الخليجي، حتى لا تواجه كل دولة الخطر بطريقتها منفردة. الثالثة إبقاء قناة مع إيران تسمح بتمرير التحذير أو التهدئة من دون الحاجة إلى التصعيد العلني في كل مرة.
أما إذا غلب منطق الرد والرد المضاد، فلن تكون الاتصالات كافية. الهاتف لا يوقف صاروخاً، ولا يطفئ ناراً إذا قرر أصحابها توسيعها. لكنه قد يمنع لحظة سوء تقدير. وأحياناً، في السياسة، يكون منع سوء التقدير هو الفرق بين أزمة قابلة للضبط وأزمة تفتح أبواباً لا يعرف أحد أين تنتهي.
في المحصلة
تقول اتصالات فيصل بن فرحان مع إيران وقطر والبحرين وأفغانستان إن السعودية تتحرك في منطقة ضيقة، لكنها مهمة. لا هي خارج التوتر، ولا هي مستسلمة له. لا تعلن امتلاك الحل، لكنها تعمل كي لا يُترك الإقليم بلا قنوات. هذا وحده لا يكفي لصناعة استقرار دائم، لكنه شرط أولي لمنع الانزلاق.
التهدئة في مثل هذه اللحظات لا تأتي دفعة واحدة. تأتي على شكل خطوط لا تنقطع، ورسائل لا تُترك للوساطات العشوائية، وتنسيق لا ينتظر وقوع الضرر كي يبدأ. إذا نجحت الرياض في إبقاء هذه الخيوط مشدودة من دون أن تنقطع، فقد تتحول من عاصمة تتابع الأزمة إلى منصة تؤثر في مسارها. وإذا لم تنجح، فستبقى الاتصالات دليلاً على أن باب السياسة كان مفتوحاً، حتى حين كان الإقليم يدفعه نحو الإغلاق.
اقرأ أيضاً: ماذا تعني مشاورات بوتين ومحمد بن سلمان لمستقبل OPEC+ وأمن الطاقة؟

