ثلاثة اتصالات جمعتها وزارة الخارجية السعودية في بيان واحد نُشر في 21 يوليو 2026. تحدث الأمير فيصل بن فرحان مع وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وتركزت المحادثات على التطورات الإقليمية وانعكاساتها الأمنية ودعم الحلول السلمية الشاملة. الصياغة بدت عامة، لكن توقيتها والأطراف التي شملتها يضعانها داخل تحرك سعودي أوسع هدفه منع انتقال المواجهة الأميركية الإيرانية من جولة عسكرية جديدة إلى اضطراب طويل في الخليج والبحر الأحمر.
قدمت القاهرة تفاصيل أكثر عن اتصالها بالرياض. قالت وزارة الخارجية المصرية إن عبد العاطي وابن فرحان تحدثا في 19 يوليو، وجددا إدانة الهجمات الإيرانية على دول عربية، وأكدا حرية الملاحة في مضيق هرمز، كما ناقشا دور الرباعي الإقليمي الذي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان. يوضح ذلك أن الاتصالات لم تقتصر على تبادل التقديرات، فقد استندت إلى إطار تشاوري قائم سبق أن شارك في دعم التفاهم بين واشنطن وطهران.
جبهة دبلوماسية متعددة الدوائر
نشرت الخارجية السعودية في الفترة نفسها بياناً آخر عن اتصالات تلقاها فيصل بن فرحان من وزراء خارجية قطر والأردن ومصر، وتكرر فيه الحديث عن احتواء التصعيد والتنسيق ودعم الجهود الدبلوماسية. تكشف هذه الحركة عن شبكة تتوزع على دوائر مختلفة. البحرين جزء من المنظومة الخليجية التي ترى أمن دولها مترابطاً، وقد أعلن الأمين العام لمجلس التعاون في 18 يوليو أن هجمات إيرانية استهدفت بنى تحتية ومنشآت مدنية في البحرين والكويت والأردن. لهذا يحمل الاتصال مع المنامة وظيفة أمنية مباشرة، إلى جانب تثبيت التضامن الخليجي.
تدخل مصر من باب آخر. أمن الملاحة يمس قناة السويس ومصدرها من النقد الأجنبي، وقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن اضطرابات البحر الأحمر كلّفت بلاده نحو سبعة مليارات دولار من إيرادات القناة في 2024، بانخفاض تجاوز 60 في المئة مقارنة بعام 2023. لدى القاهرة مصلحة عملية في منع امتداد التوتر من هرمز إلى باب المندب، كما تمنح مشاركتها التحرك غطاءً عربياً يتجاوز مجلس التعاون.
يمتد دور تركيا في هذا المسار إلى ما قبل الاتصالات الأخيرة. اجتمع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية في القاهرة يوم 21 يونيو 2026 في رابع لقاء تشاوري للرباعي، ورحبوا بمذكرة إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، وطالبوا بتنفيذ الالتزامات والوصول إلى تسوية قابلة للتحقق تراعي أمن دول الخليج وبلاد الشام. الاتصال مع أنقرة يعيد تشغيل قناة موجودة بدلاً من إنشاء مسار جديد من الصفر، ويُبقي باكستان، التي لعبت دوراً في التفاهم الأميركي الإيراني، قريبة من التحرك من خلال الرباعي.
التوصيف الأدق حتى الآن هو شبكة تنسيق ذات مركز سعودي. استخدام عبارة جبهة دبلوماسية يصف تقارباً في الهدف، لكنه لا يدل على قيام تحالف جديد، فالبيانات الرسمية لم تعلن هيئة مشتركة أو التزامات سياسية وأمنية ملزمة.
هرمز وباب المندب
رحب الرباعي في يونيو بمذكرة إسلام آباد باعتبارها خطوة نحو إنهاء حرب تهدد أسواق الطاقة ومسارات الملاحة وسلاسل الإمداد. بعد أسابيع قليلة، بدأت المذكرة تتآكل. أفادت رويترز في 13 يوليو بأن القتال الأميركي الإيراني تجدد، وأن الخلاف على تفسير بنود الملاحة في مضيق هرمز بقي من أسباب الأزمة، إلى جانب الملفات المؤجلة ومنها البرنامج النووي الإيراني.
يشرح حجم العبور سبب سرعة التحرك. أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 20 مليون برميل يومياً مرت عبر هرمز في 2024، بما يعادل قرابة خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، كما عبر المضيق نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وبلغت حصة صادرات الخام والمكثفات السعودية 5.5 ملايين برميل يومياً، أي 38 في المئة من تدفقات الخام عبره. تستطيع المملكة تحويل جزء من الصادرات إلى خط الشرق والغرب وميناء ينبع، لكن هذا البديل لا يلغي تعرض تجارتها لاضطراب الخليج أو البحر الأحمر.
اتسعت المخاطر في 20 يوليو عندما أعلنت جماعة أنصار الله في اليمن فرض حصار بحري على السعودية. قال التحالف الذي تقوده الرياض إنه بدأ إجراءات لحماية السفن، وقدرت رويترز أن الإغلاق الكامل لباب المندب قد يخفض إمدادات النفط العالمية بنحو 7 في المئة. لا تسمح التواريخ باعتبار جميع الاتصالات رداً على هذا الإعلان، لأن الاتصال المصري السعودي وقع قبله بيوم بحسب القاهرة. جمعها في بيان سعودي يوم 21 يوليو وضعها مع ذلك داخل تحرك يتعامل مع ضغط متزامن على ممرين بحريين يقع الاقتصاد السعودي بينهما.
ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الإيرادات في الأجل القصير، لكن توقف الشحن أو إصابة منشآت الطاقة يبددان هذه الفائدة سريعاً. كما أن استمرار الحرب يرفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر في حركة الطيران والاستثمار والسياحة، وهي قطاعات تعتمد عليها خطط التنويع الاقتصادي السعودية. مصلحة الرياض هنا تتجاوز تصدير النفط، فهي تحتاج إلى بيئة إقليمية يمكن التنبؤ بها كي تستمر المشاريع الطويلة الأجل.
حدود التحرك
تعتمد الدبلوماسية السعودية الحالية على تراكم قنوات جرى بناؤها خلال الأعوام الماضية. اتفاق بكين في 10 مارس 2023 أعاد العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، وأكد احترام السيادة وعدم التدخل. التطورات اللاحقة أظهرت أن استعادة العلاقات تخفض احتمالات القطيعة الكاملة، لكنها لم تمنع انتقال الحرب إلى جوار المملكة ولم توفر آلية كافية لحماية الممرات البحرية. أضافت الرياض إلى القناة الثنائية طبقة خليجية، ثم وسعتها عبر مصر وتركيا وباكستان، مع إبقاء الاتصال قائماً مع واشنطن ودول عربية أخرى.
تبقى مساحة التنفيذ محدودة في المعلومات المنشورة. البيان السعودي عن الاتصالات الثلاثة لم يتضمن موعداً لاجتماع لاحق، ولم يعلن ورقة تفاوض أو فريق عمل أو تصوراً لوقف الأعمال العسكرية. البيان المصري حدد هرمز والرباعي بوضوح أكبر، لكنه لم يكشف ما ستفعله الدول الأربع إذا استمر خرق مذكرة إسلام آباد. كما أن البحرين ومصر وتركيا تنطلق من مصالح متقاربة في خفض التصعيد من دون أن تتطابق حساباتها في بقية ملفات المنطقة.
يبدأ الاختبار العملي بانعقاد الرباعي مجدداً وتقديم موقف يمكن نقله إلى واشنطن وطهران، ثم بربط هذا المسار بتنسيق خليجي يحمي الملاحة من دون فتح جبهة عسكرية إضافية في اليمن. نجاح التحرك يحتاج أيضاً إلى إشراك قطر وعُمان في الأدوار التي تتيح لهما التواصل مع أطراف الأزمة، وإلى منع الخلافات داخل الخليج من إضعاف الرسالة المشتركة.
السعودية بنت خلال الأسابيع الأخيرة أرضية تشاور أوسع من الاتصالات البروتوكولية، لكنها لم تصل بعد إلى جبهة دبلوماسية مكتملة الأدوات. النتيجة ستظهر في انخفاض الهجمات، وعودة الملاحة المنتظمة، واستئناف التفاوض على اتفاق قابل للتنفيذ. استمرار البيانات من دون هذه التحولات سيبقي أثرها سياسياً وإعلامياً أكثر منه تغييراً في مسار الأزمة.
اقرأ أيضاً: اقتصاد الحرب في السعودية: كيف تُدار صدمة الطاقة دون كسر رؤية 2030؟

