- ليست كل الاجتماعات التي تُعقد تحت ضغط النار مناسبةً لالتقاط الصور ثم الانصراف، فبعضها يأتي حين تصبح اللغة نفسها موضع اختبار، هل تبقى الإدانة جملةً محفوظة، أم تتحول إلى بداية مسار سياسي أوسع.. من هذه الزاوية يكتسب اجتماع الرياض العربي الإسلامي، الذي استضافته السعودية مساء 18 مارس 2026، أهميته الفعلية، لأنه جاء بعد أسابيع من هجمات صاروخية ومسيّرة طالت دولاً خليجية والأردن، وبعد قرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 آذار الذي أدان الهجمات بأشد العبارات، وطالب بوقفها فوراً، وأكد حماية السيادة وحرية الملاحة والمنشآت المدنية.
والمعنى هنا لا يتعلق بارتفاع النبرة فقط، بل بما إذا كانت الرياض قادرة على جمع موقف إقليمي أكثر تماسكاً، ثم تقديمه إلى العالم بوصفه مشروع استقرار لا مجرد رد فعل عابر.
اجتماع الرياض واختبار التحول
يبدو اجتماع الرياض، بوصفه لقاءً تشاورياً لوزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، أقرب إلى غرفة فرز سياسي منه إلى منصة خطابية، فالبيان السعودي المعلن عن هدف الاجتماع تحدث عن مزيد من التشاور حول دعم الأمن والاستقرار، بينما أظهرت التحركات السابقة أن الرياض كانت تبني قبل هذا الموعد طبقات أوسع من التنسيق، ففي 10 آذار شاركت في اجتماع جمع قادة خليجيين ودولاً عربية وإسلامية مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية، وفي 5 و12 آذار تتابعت اجتماعات خليجية مع الاتحاد الأوروبي ثم مع المملكة المتحدة حول التصعيد والهجمات الإيرانية.
وهذا التسلسل يوحي بأن اجتماع الرياض ليس نقطة البداية، بل محطة لترتيب صياغة سياسية قابلة للتسويق خارج الإقليم.
من الإدانة إلى الآلية
عملياً، أكثر ما يمكن أن يخرج من الاجتماع هو تحويل عبارة إدانة الهجمات إلى حزمة أولويات واضحة، تبدأ بتثبيت رواية قانونية مشتركة تقول إن استهداف المدن والمنشآت الحيوية والبعثات الدبلوماسية والممرات البحرية لا يُنظر إليه كحادث أمني منفصل، بل كتهديد مباشر للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. ثم تنتقل هذه الرواية إلى مطلب سياسي محدد، وهو بناء ضغط منسق داخل الأمم المتحدة ومع الشركاء الغربيين من أجل متابعة تنفيذ القرار 2817، لا الاكتفاء بالترحيب به.
وفي هذا السياق، يمكن أن يدفع اجتماع الرياض نحو آلية متابعة دبلوماسية مشتركة، سواء عبر اتصالات جماعية مع العواصم المؤثرة، أو عبر تنسيق الرسائل بين العواصم العربية والإسلامية عند الحديث عن وقف التصعيد وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي.
الشركاء خارج الدائرة العربية
ما يرفع وزن اجتماع الرياض أن محيطه السياسي لا يقتصر على المجالين العربي والإسلامي، فالأوروبيون أعلنوا تضامنهم مع دول الخليج، ووزراء خارجية المجلس شكروا لندن على التزامها بأمن دولهم واستقرارها ووحدة أراضيها، كما تحدثت تغطيات غربية وإقليمية عن مسار أوسع يجمع الرياض مع شركاء أوروبيين لتقليل فرص الانفجار الكبير.
لذلك فالمخرج العملي الآخر للاجتماع قد يكون توحيد الرسالة التي ستُنقل إلى الخارج، ومفادها أن المنطقة لا تطلب بيانات تعاطف إضافية، بل غطاءً سياسياً وأمنياً يحمي البنية المدنية والطاقة والملاحة، ويمنع انزلاق التصعيد إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات.
الاقتصاد تحت عين القلق
الجانب الاقتصادي ليس هامشاً في هذا الملف، بل أحد دوافعه الأساسية، فقرار مجلس الأمن نفسه ربط بين أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي، وتغطيات متعددة أشارت إلى أثر الهجمات على المطارات والطاقة وسلاسل الإمداد والملاحة. وهنا يمكن لاجتماع الرياض أن يدفع نحو خطاب عملي يربط أمن المنطقة بأمن الأسواق، لا من باب التهويل، بل من باب تذكير الشركاء بأن أي اضطراب ممتد في الممرات البحرية أو المنشآت الحيوية سيدفع الكلفة إلى خارج حدود الشرق الأوسط.
ومن ثم فإن حماية البنية التحتية، وتبادل المعلومات، ورفع التنسيق الدفاعي، وإسناد المسارات الدبلوماسية بخطاب اقتصادي واضح، كلها نتائج قابلة للخروج من الاجتماع حتى لو لم تُعلن بصيغة تفصيلية.
ما بعد سقف البيان
مع ذلك، يبقى سقف الممكن مضبوطاً بحدود الواقع، فبعض التقارير أشارت إلى أن دول مجلس التعاون التزمت حتى الآن بردود دفاعية ولم تنتقل إلى ضربات مباشرة، ما يعني أن أولوية اجتماع الرياض ليست فتح باب مواجهة أوسع، بل تنظيم موقف يمنع الانفلات ويزيد كلفة الاستهداف السياسي والقانوني على الطرف المقابل.
لهذا يمكن القول إن النجاح الحقيقي للاجتماع لن يقاس بحدة العبارات، بل بقدرته على إنتاج مسار متابعة، ورسالة موحدة، وشبكة اتصالات أوسع، ومطالبة عملية بحماية المدنيين والملاحة والطاقة، وعند هذه النقطة فقط يغادر اجتماع الرياض منطقة الإدانة اللفظية، ويدخل فعلاً في هندسة موقف يمكن البناء عليه…
اقرأ أيضاً: ميناء ينبع.. محور جديد لتصدير النفط في ظل الحرب الأمريكية – الإيرانية

