استراتيجيات المملكة الصناعية هي من شكلّت اللبنة الأولى في الريادة الصناعية التي تشهدها البلاد اليوم. فالسعودية تصنع من نفسها قبلة صناعية لأكبر شركات الاستثمار في العالم. بفعل ما توليه من اهتمام بالقطاع الصناعي وما تضعه من جهود لتطوير خططها الصناعية ببناء وتجهيز العديد من المدن الصناعية التي من شأنها أن تقوم باقتصاد البلاد إلى جانب قطاع النفط، وهذا جوهر مستهدفات رؤية 2030 في المملكة، والتي تقوم على تكامل القطاعات مع بعضها البعض لرفد الاقتصاد وعدم تركيز الاعتماد على القطاع النفطي فحسب.
نهضت السعودية بقطاعها الصناعي على مدى السنوات الماضية، حتى قاربت اليوم من بلوغ القمة، فما الاستراتيجيات التي اتبعتها المملكة؟
بداية انطلاقة استراتيجيات المملكة الصناعية
بدأت السعودية رحلتها الصناعية في وقت مبكر من تاريخها الحديث، خاصة في السبعينيات، فتأسست وزارة الصناعة والكهرباء، إلى جانب إنشاء صندوق التنمية الصناعية السعودي، الذي تولى تمويل المشاريع الصناعية وتقديم الدعم الفني والمالي لها.
في تلك الفترة، شُكّلت ملامح مستقبل قطاع البتروكيماويات مع تأسيس الشركة السعودية للصناعات الأساسية “سابك”، التي مثّلت نقطة تحوّل مفصلية في المشهد الصناعي السعودي، ولكن مع إطلاق رؤية السعودية 2030، دخلت الصناعة الوطنية مرحلة جديدة تقوم على التنويع والابتكار والتحول نحو اقتصاد صناعي متنامي ومتقدم.
تبنت المملكة رؤية واضحة فحولت نفسها على إثرها إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجستية عالمية، عبر تركيزها على أربعة قطاعات رئيسية: الصناعات الوطنية، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والطاقة.
شهدت السنوات الأخيرة محطات استراتيجية عززت هذا التوجه وفعلته، بدءًا من إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصناعة عام 2020، وبعدها تدشين برنامج “صنع في السعودية” في عام 2021، الذي هدف إلى تعزيز الثقة بالمنتج المحلي إلى جانب دعم التصدير. أما عام 2022، أُعلن عن إطلاق “سير”، أول علامة تجارية سعودية لصناعة السيارات الكهربائية، كخطوة تاريخية في قطاع النقل المستدام، وفي عام 2023، تم إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة ليضيف دفعة جديدة باتجاه التوسع الصناعي ويكون نقطة فارقة ومساهمة في جذب الاستثمارات الأجنبية بصورة مباشرة.
وسجلت قفزات في أعداد المصانع والاستثمارات الصناعية، فمع حلول عام 2024، أصبحت المملكة تضم أكثر من 12 ألف مصنع، مقارنة بـ 7200 مصنع فقط في عام 2016، ما يعكس النمو الهائل في قاعدة وصلب التصنيع الوطني. وحققت الاستثمارات الصناعية قفزة غير مسبوقة وسريعة التنامي، حيث ارتفعت من 963 مليون ريال في عام 2020 إلى 26.7 مليار ريال في 2024، أي بزيادة تجاوزت 2700%.
هذا التحول تجسيد للنقلة النوعية نحو الاقتصاد المتطور المعتمد على الابتكار، ويرتكز على تصنيع نوعي قادر على المنافسة على المستوى الإقليمي والدولي، كما يعزز التنافس المحلي مما يعزز الاقتصاد الوطني وينوع الخبرات.
اقرأ أيضاً: المناطق الاقتصادية في المملكة جزء من رؤية المملكة 2030 ما هي ماهيتها ومميزاتها؟
الاستراتيجيات الصناعية الوطنية المستحدثة ضمن رؤية السعودية 2030
السعودية اليوم تقف على أعتاب نهاية مرحلتها الصناعية الثانية الممتدة من العام 2021-2025، والتي شهدت نمواً واضحاً بمختلف القطاعات، مدعومة بالرؤية التي دفعت عجلة الإنجاز ووسعت المدارك الاستراتيجية وثمنت بخططها الجهود التحويلية.
وتم التركيز على إثر تلك الاستراتيجيات على تعظيم الفائدة في القطاعات ذات الأولوية، وذلك باستحداث خطط تنموية طويلة الأمد إذ بلغ عددها 13 استراتيجية وطنية.
وبيّن تقرير الرؤية السنوي أن الخطط الموضوعة منذ العام 2016 قد أسست للنمو الصناعي الحالي، بفعل البرامج التي وضعتها واستهدفت من خلالها إحداث إصلاحات هيكلية في القطاع الصناعي إلى جانب إجراء تحسينات استهدفت بيئة العمل الصناعية، وأوضح التقرير أن تلك الاستراتيجيات الوطنية عبر السنوات المتعاقبة قد ضمت الاستراتيجية الوطنية للصناعة وكانت على رأس أولوياتها وجمعت بين الاستراتيجية المتكاملة للتعدين والصناعات المعدنية و الاستراتيجية الوطنية للاستثمار وجذبه.
اقرأ أيضاً: «مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات» رؤية جديدة للمستقبل
أبرز ملامح التحول الصناعي في المملكة تطبيقاً لاستراتيجيات المملكة الصناعية
تشهد المملكة تحول تاريخي غير مسبوق، أعادت به رسم ملامح اقتصادها ببوصلة جديدة تقود اتجاهاتها رؤية المملكة 2030، بينما كان النفط يشكل لعقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد الوطني، اتجهت المملكة اليوم نحو تنويع مصادر دخلها، وتوفير القيمة المضافة في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصناعي.
فعملت المملكة على تأسيس قاعدة صناعية متينة تنافس على مستوى عالمي، تقوم على توطين الصناعات الإستراتيجية المتقدمة، وتمكين التقنية والمعرفة والابتكار، بالاعتماد على بنية تحتية ذكية ومتطوّرة.
وتنفذ هذا التحول الصناعي في المملكة منظومة صناعية متكاملة وشاملة تقودها وزارة الصناعة والثروة المعدنية، مبني على مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للصناعة، فهي المحرك الأساسي للنهضة الصناعية السعودية. وظهرت ملامحها جلية في المدن الصناعية والتجمعات المتخصصة المتقدمة في مختلف مناطق المملكة.
وبلغ عدد المدن الصناعية (40) مدينة، كما وصل عدد المصانع إلى (12) ألف مصنع بنهاية عام 2024، مع سعي المملكة إلى الوصول إلى (36) ألف مصنع بحلول عام 2035.
كما ضخَّت المملكة استثمارات نوعية لتطوير بنية تحتية متكاملة قوية، عبر بناء مدن صناعية وتجمعات متخصصة، تستهدف رفع القيمة المضافة في الصناعة الوطنية، وتوطين تقنيات التصنيع المتقدمة.
وعلى سبيل المثال، برزت مدينتا الجبيل وينبع الصناعيتان قطبين رئيسين في قطاع البتروكيماويات العالمي، فيما أصبحت مدينة رأس الخير على سواحل الخليج مركز محوري للصناعات التعدينية، محتضنة مجمعاً لمعادن الألومنيوم، الذي يعتبر أكبر وأشمل المجمعات الصناعية في العالم.
أما الجنوب الغربي من البلاد، تتقدم قلب الجنوب ونبضه الحيوي مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، لتشكل مركزاً للصناعات الثقيلة والأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، إلى جانب الصناعات الغذائية والأنشطة الزراعية.
لتلاقيها مدينة الملك عبدالله الاقتصادية “KAEC”، بنموذج صناعي فريد يجمع بين التصنيع واللوجستيات، إذ تضم أحد أكثر الموانئ تطوراً في العالم، أما في قلب المملكة، تأتي مدينة سدير للصناعة والأعمال باعتبارها منطقة صناعية ولوجستية متخصصة، تستقطب استثمارات مهمة في الصناعات الدوائية والغذائية والتصنيع الخفيف، وتسهم في تطوير سلسلة الإمداد الوطني.
ودشنت المملكة في جدة، في واحة “مدن”، “First Aero Park”، التي تعتبر أول تجمع متخصص لصناعة وصيانة الطائرات، وتمتد على مساحة (1.2) مليون متر مربع، أقيمت التعاون بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية، والهيئة العامة للطيران المدني، بهدف توطين التقنيات المتقدمة وتوفير بيئة استثمارية محفزة لصناعة الطيران.
وفي مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، يأتي مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات ليوفر بيئة ومتكاملة ومحفزة لتصنيع السيارات التقليدية والكهربائية، عبر توطين التقنيات واستقطاب رواد الصناعة العالميين لإنتاج (300) ألف سيارة بشكل سنوي في مجمع صناعي واحد.
إذ أن هذا التحول الصناعي في المملكة ليس مجرد إستراتيجية، بل رؤية يتم تنفيذها على أرض الواقع، بدءاً من المصانع التي تتبنى أحدث التقنيات، مروراً بالتجمعات الصناعية المتخصصة في الصناعات المتقدمة. وتعمل المملكة بوتيرة متسارعة على بناء اقتصاد يتكئ على المعرفة والابتكار، يقوم على بنية تحتية متقدمة وخطط نمو متكاملة.
اقرأ أيضاً: عقل.. أول نموذج ذكاء اصطناعي توليدي بصناعة سعودية
ختاماً، استراتيجيات المملكة الصناعية وليدة رحلة ومسيرة طولة من العمل الجاد والمضني، الذي بدأ منذ إطلاق الرؤية في العام 2016 والتي شكلت اللبنة الأولى والبوصلة الموجهة لكل تلك الحركات الصناعية والنهضة الهائلة المشهودة في قطاع الصناعة في المملكة. وبفضل تلك الخطط والبرامج السعودية تلامس مصافي الدول الصناعية في العالم.

