تم خوض أول تجربة لاستمطار السحب في السعودية عام 1986، تلتها تجارب مخصصة في منطقة عسير عام 2004، وفي المنطقة الوسطى عام 2006، لكن البداية الحقيقية لبرنامج الاستمطار كانت عام 2022، إذ انطلق رسمياً في السعودية، مستهدفاً تعزيز الهطول المطري وتحسين الموارد المائية. كما بلغت عمليات الاستمطار التي نفذها البرنامج في الفترة الماضية نحو 752 رحلة، بإجمالي 1879 ساعة طيران، إضافة إلى51 رحلة بحثية استغرقت نحو 169 ساعة طيران.
ماهي تقنية استمطار السحاب، ما الهدف منها، ما الاجراءات التي قامت بها السعودية من أجل ذلك؟
التعريف بتقنية استمطار السحاب المتبعة في السعودية
تقنية استمطار السحب، تقنية تعزز زيادة كمية ونوعية الأمطار عبر استغلال خصائص بعض السحب لتحفيز وتسريع عملية هطول الأمطار على مناطق معينة ومحددة مسبقاً، إذ تجري عمليات الاستمطار عبر طائرات مخصصة لبذر مواد دقيقة ليس لها ضرر على البيئة في أماكن محددة من السحب، مما يغير العمليات الفيزيائية الدقيقة داخل السحابة نفسها.
دشنت السعودية في العام المنصرم 2024 برامج توطين المعرفة والطائرات والتقنيات الحديثة وعدداً من المشاريع التشغيلية للبرنامج الوطني لاستمطار السحب، الهدف من ذلك بناء القدرات الداخلية وتعزيزها في البلاد، إلى جانب استدامة الأعمال، ورفع مستوى تغطية وكفاءة عمليات الاستمطار، مع خفض التكاليف المصاحبة لتشغيل الطائرات، وتحسين مخرجات البرنامج الوطني لاستمطار السحب لتحقيق النتائج التي تتماشى مع رؤية المملكة 2030.
الواقع أن الدافع لاستحداث برنامج وطني لاستمطار السحاب وزيادة الاهتمام بهذه التقنية كان نتاج مخرجات قمة الشرق الأوسط الأخضر، التي أعلنها ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان بن عبد العزيز”، في إطار مستهدفات رؤية 2030، لزيادة مستويات هطول الأمطار، وإيجاد مصادر جديدة للمياه، وزيادة وتكثيف الغطاء النباتي لمواجهة التحديات المتعلقة بالتغيرات المناخية والتصحر والجفاف، لاسيما أن المملكة من البلدان الصحراوية وتعاني من مشاكل المياه، وقد بدأت العمليات التشغيلية للبرنامج من مناطق الرياض وحائل والقصيم كأول مراحل الاستمطار في المملكة.
اقرأ أيضاً: استراتيجية بيئية متكاملة تقود الرياض إلى الصدارة
أهداف البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب في السعودية
جاء على لسان المدير التنفيذي للبرنامج الإقليمي لاستمطار السحب “المهندس أيمن البار”، أن السعودية تسعى لأن تعزز رغبتها بصفة أكبر في تنفيذ عمليات استمطار السحب من أجل البحث عن مصادر مائية جديدة للتخفيف من ظواهر الجفاف، وتهيئة الموارد الطبيعية والبيئية للتكيف وتعزيز الأداء البيئي، وأن البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب يستهدف تكثيف التشجير عبر الاستمطار، وتقليص رقعة التصحر، فضلاً عن تأهيل الكوادر الوطنية في المجال ذاته.
يؤكد المدير أن الغيوم الصيفية غالباً ما تكون أكثر دفئاً، مما يتطلب الاعتماد على أساليب مختلفة، مثل البذر من قاعدة السحاب أو البذر من قمم السحب بالنسبة للسحب الباردة، وفي الوقت الذي لا تزال البلاد تعيش أجواء الصيف الحارقة، فإن تنفيذ تقنيات الاستمطار في هذه الأجواء يكون مختلفاً عن باقي فصول السنة تبعاً لطبيعة الغيوم والظروف الجوية السائدة، إذ تقل فرص تشكّل الغيوم الباردة ذات المحتوى العالي من البلورات الجليدية في المناطق الحارة والجافة.
في السياق ذاته أوضح المهندس البار أن آخر عملية استمطار جرت في محافظة رماح كانت يوم الجمعة 8 أغسطس 2025، إذ راقب فريق العمليات تطورات الحالة الجوية، في حين أظهرت نتائج التحليل الفني بواسطة الرادار مناسبة السحب لعملية البذر.
عمليات الطيران استغرقت نحو ساعة و20 دقيقة، فيما تشير المخرجات الأولية عبر تقنيات الرصد إلى توافر تغير إيجابي في المحتوى المائي للسحابة. كما أن الفريق البحثي المشرف على التجربة يدرس في الوقت الراهن الخصائص الفيزيائية للسحب من أجل استعراض النتائج حولها.
يهدف البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب في الوقت الحالي، لتنفيذ عملياته في 6 مناطق رئيسية: الرياض والقصيم وحائل ومكة المكرمة، بجانب الباحة وعسير، ومن المقرر أن يتوسع في تنفيذ خططه بشكل تدريجي لتغطية كافة مناطق المملكة، وفقاً لطبيعة الدراسات المناخية، وتوزيع معدلات الأمطار.
اقرأ أيضاً: نتائج واعدة في تعزيز هطول الأمطار فوق مكة المكرمة
تجارب بلدان عربية في الاستمطار.. وهل من الممكن الاستفادة من تقدم السعودية؟
ليست السعودية وحدها من يلجأ للاستمطار في العالم العربي، صرّح “عز الدين بن الشيخ” وزير الفلاحة في تونس بأن الوزارة تقوم بتجربة عدة مشاريع نموذجية بالتعاون مع جهات مانحة للتحكم في إدارة موارد المياه السطحية والجوفية عبر استخدام التقنيات الحديثة المتقدمة، حيث تعمل الوزارة حالياً على برنامج الاستمطار بالتعاون مع وزارتي الدفاع الوطني والنقل، فضلاً عن برنامج الحد من التبخر بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبرامج أخرى.
وسط آخر الأنباء، بيّن الوزير بعد التجربة أن مخزون السدود التونسية تحسن بشكل نسبي هذه السنة وبلغ نحو 39.6 بالمائة، وارتفع بـ 130 مليون متر مكعب مقارنة بالسنة الماضية خلال الفترة نفسها من السنة.
في ظل انتشار تجارب الاستمطار في الدول العربية وتقدم السعودية وخبرتها الطويلة في هذا المجال، يمكن للمملكة أن تشارك خبراتها مع الدول الباقية في حال طلبها ذلك، وأن تكون رائدة على مستوى الشرق الأوسط بهذه التقنية إذ أن هذا الهدف أحد مستهدفات رؤية 2030 والمملكة طموحة للريادة في هذا المجال وتملك الأجهزة والقدرات والأدمغة القادرة على خطف صدارة الدول المتقدمة بتقنية الاستمطار.
ختاماً، استمطار السحب يحلّق عالياً في السعودية بنتائج ملموسة على أرض الواقع، تسعى الحكومة والجهات المعنية للنهوض بالمملكة على كافة الصعد ومواجهة التحديات المختلفة، المناخية وغيرها وتجاوزها، هذه التقنية ستمنح المملكة وفرة المياه والمساحات الخضراء عبر تكثيف الغطاء النباتي بفعل نتائج عملية الاستمطار.

