لا تزال المملكة العربية السعودية تصنع بصمتها الفريدة عبر صون التراث ودمج روح العصر بالتجديد الدائم، وهذا ما يتجلى بمشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية، الذي يهدف إلى المحافظة على الهوية التراثية والمعمارية، ويعزز السياحة الدينية والثقافية، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030.
ويواصل المشروع جهوده الرامية إلى ترميم وتطوير نحو 130 مسجداً، ضمن برنامج حكومي واضح أُعلن عنه بشكل رسمي خلال 2018، ووصلت إنجازاته اليوم لتشمل تجديد “مسجد المضفاة” الأثري في منطقة عسير، فما هي أهمية هذا الإرث التاريخي وماذا يمثل المشروع لرؤية المملكة 2030؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
مسجد المضفاة
يُعد مسجد المضفاة نموذجاً حياً للتراث العمراني في منطقة السراة، حيث يُقدر عمره بحوالي 400 عام، ويتميز بموقعه الاستراتيجي حيث يتربع على الطريق الواصل بين منطقتي الباحة وأبها، مما يمنحه أهمية تاريخية وجغرافية كبيرة.
يقع ضمن منطقة الباحة ويبعد حوالي 55 كم عن مدينة أبها، فيما تُقدّر مساحته بنحو 325 متراً مربعاً وفقاً للبيانات الرسمية، وهو تابع لمركز بلّسمر، كما يشتهر بدوره التاريخي في إكرام وإيواء الضيوف، وهذا ما يفسر تسميته “بالمضفاة”.
استمرارية دوره الديني
يتميز مسجد المضفاة التراثي باستمرارية دوره الديني، فلا يزال يأوي المصلين، الذين يتجهون إليه بانتظام لإقامة الصلوات، مما يعكس أهميته المتجذرة عبر القرون، إلى جانب كونه أحد أشهر المباني التاريخية ضمن منطقة عسير، حيث لا يزال محافظاً على تصميمه وشكله الأصلي منذ بداية تأسيسه وحتى وقتنا الحاضر.
الجدير بالذكر أنه تعرّض لانهيار جزئي في هيكل سقفه خلال سنة 1380 هـ، ليتم على إثره إجراء أعمال ترميم دون المساس بتصميمه، حيث بقي بناؤه الأصلي كما هو، ويُعرف المسجد بطابعه القروي الجبلي.
تصميم قروي دافئ
يتميز المسجد ببنائه الحجري المسقوف بجذوع العرعر، ويتألف من بيت مخصص للصلاة إلى جانب ساحة مكشوفة، وعدد من الأماكن القديمة الخاصة بالوضوء، فضلاً عن الغرفة المخصصة للضيوف والتي تُسمى “المنزلة”، مما يعكس الدور الاجتماعي، وكرم الضيافة الذي يتمتع به أهل المنطقة، علاوة على ذلك تعلو المسجد منارة مستطيلة الشكل يصل ارتفاعها إلى 4.70 متر تقريباً.
وبالعودة إلى البيانات الرسمية الموثقة، فإن مسجد المضفاة شُيّد في القرن الحادي عشر للهجرة أي في القرن السابع عشر للميلاد، ويجسد طراز السراة المعماري التقليدي، كما اعتُبر جامعاً للقرية والهجر المجاورة منذ قرون.
تجديد المسجد
يتسع المسجد لحوالي 108 مصلين، وهو من ضمن قائمة المساجد التي تم العمل على تطويرها خلال المرحلة الأولى من المشروع الاستراتيجي لترميم مساجد تراثية وإعادة تأهيلها في مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية، في ظل برنامج الإعمار الذي يستهدف المساجد التاريخية، الذي تم إطلاقه خلال 2018م.
كما يسعى المشروع لترميم المساجد التاريخية بشكل يوازن بين معايير وأسس البناء التقليدية والحديثة، لإضفاء نوع من الاستدامة إلى مكنونات تلك المباني العريقة، مع مراعاة دمج تأثيرات التطوير بعدة خصائص تراثية.
وتجدر الإشارة إلى أن عملية التطوير تتم بأيادٍ خبيرة، حيث تجتمع عدة شركات متخصصة بالأبنية التاريخية ذات الخبرة الطويلة في المجال، إلى جانب مشاركة عدد من المهندسين السعوديين لضمان المحافظة على أصالة الهوية العمرانية لكل مسجد.
أهداف المشروع
تتمحور أهداف مشروع “الأمير محمد بن سلمان” حول أربع نقاط رئيسية، تتجسد بإعادة تأهيل المساجد التاريخية لاستمرار إقامة الصلاة والعبادة فيها، إضافة إلى إحياء الأصالة العمرانية، وإبراز الصورة الحضارية للمملكة، مع تعزيز الدور الديني والثقافي لتلك المساجد.
كما يُسهم المشروع في ترجمة أهداف رؤية المملكة 2030، في إبراز الأبعاد الثقافية والحضارية السعودية، من خلال المحافظة على الخصائص والملامح العمرانية التراثية الأصيلة، والاستفادة منها في تجديد تصميم المساجد الجديدة.
تشكل خطوة تجديد مسجد المضفاة التاريخي إحدى أبرز الخطوات، التي ترمي إليها الجهود الوطنية للمحافظة على رونق المساجد التراثية وتعزيز حضورها، إلى جانب ترسيخ أهميتها الدينية والحضارية عبر الأجيال، بما يحقق أهداف المملكة في تحقيق بصمة التاريخ الممزوج بروح العصر.
اقرأ أيضاً: جبل حراء: من الماضي إلى الحاضر .. كيف تعيد رؤية 2030 رسم تاريخ النور؟

