تختبر الحروب الاقتصادات بقدر ما تختبر الجيوش، وحين تصبح الطاقة عنواناً للتوتر الإقليمي، لا يعود السؤال محصوراً في سعر البرميل، بل يمتد إلى كلفة الشحن، وثقة المستثمر، وإيقاع الإنفاق العام، ومدى قدرة الدولة على حماية مشروعها التنموي من ارتجاج السوق.
من هذه الزاوية تبدو السعودية أمام معادلة دقيقة، فهي دولة تقود أحد أكبر الاقتصادات النفطية في العالم، لكنها في الوقت نفسه تراهن على تحويل هذه المكانة نفسها إلى منصة انتقال نحو اقتصاد أوسع وأقل ارتهاناً لتقلبات الخام. لذلك فإن إدارة صدمة الطاقة لا تتعلق فقط بامتصاص أثر آني، بل بقدرة السياسة المالية والاقتصادية على منع الطوارئ من ابتلاع الأفق البعيد الذي قامت عليه رؤية 2030.
صدمة الطاقة وحسابات الدولة
لا تظهر صدمة الطاقة دائماً على شكل نقص مادي في الإمدادات، إذ قد تأتي أيضاً من ارتفاع مفاجئ في الأسعار، أو من اضطراب طرق التجارة، أو من زيادة كلفة التأمين والنقل. وقد حذرت “الأونكتاد” من أن اضطرابات البحر الأحمر رفعت مستوى القلق على التجارة العالمية، وربطت بين تعطل الممرات البحرية وازدياد الضغوط على أسعار الغذاء والطاقة.
بالنسبة إلى السعودية، لا تتحدد حساسية المشهد بحجم إنتاجها النفطي فقط، بل بكونها جزءاً من شبكة إقليمية تتأثر بثقة الأسواق وسلاسل الإمداد وحركة الاستثمار. ومن هنا تبدو صدمة الطاقة اختباراً مزدوجاً، فهي قد تمنح إيرادات أعلى في لحظة معينة، لكنها قد ترفع في المقابل كلفة الاستيراد، وتدفع الشركات إلى الحذر، وتزيد كلفة التمويل والشحن، أي إنها تحمل في داخلها وجهاً داعماً ووجهاً ضاغطاً في آن واحد.
بين النفط والموازنة المرنة
بحسب بيان الموازنة السعودية لعام 2026، قُدرت الإيرادات بنحو 1.147 تريليون ريال، مقابل نفقات تبلغ 1.313 تريليون، مع عجز متوقع يناهز 165 مليار ريال. هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أزمة مالية، لكنها تكشف أن الدولة تتعامل مع مرحلة تفضّل فيها الحفاظ على الإنفاق التنموي مع قبول مستوى محسوب من العجز، بدل اللجوء إلى انكماش سريع قد يربك النشاط غير النفطي.
وذهب صندوق النقد الدولي في الاتجاه نفسه حين رأى أن السياسة المالية المعاكسة للدورة الاقتصادية تبقى مناسبة في ظل التقلبات الحالية، شرط أن تقترن بأولويات واضحة وكفاءة أعلى في ترتيب المشاريع، ومعنى ذلك أن إدارة صدمة الطاقة لا تمر فقط عبر ما يدخل الخزينة من النفط، بل أيضاً عبر كيفية توزيع الإنفاق، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يجب حمايته لأنه يصنع الأثر الطويل على النمو والوظائف.
رؤية 2030 تحت الاختبار
أهمية هذه المقاربة تظهر بوضوح عندما تُقرأ إلى جانب مؤشرات التحول الاقتصادي، فالتقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024 أشار إلى أن الأنشطة غير النفطية تجاوزت نصف الناتج المحلي، بينما أكد صندوق النقد أن نمو الاقتصاد غير النفطي في 2024 بلغ 4.5 في المئة، مع بقاء التضخم ضمن مستويات محتملة.
وهذه الأرقام لا تقول إن النفط فقد وزنه، بل تقول إن السعودية بنت خلال السنوات الماضية طبقة حماية إضافية تخفف من أثر صدمة الطاقة على الاقتصاد ككل. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يتحول التوتر الإقليمي إلى حالة ممتدة، لأن طول أمد الاضطراب قد يضغط على شهية المستثمرين، ويرفع كلفة التنفيذ، ويعيد بعض القطاعات إلى انتظار اتجاه السوق بدلاً من المبادرة. وهنا تصبح رؤية 2030 مطالبة بالحفاظ على سرعتها، لكن من دون أن تتحول إلى عبء إنفاقي منفصل عن واقع السوق.
ما الذي يصنع المرونة
المرونة هنا لا تُصنع بخطاب سياسي، بل بأدوات عملية تتكامل بهدوء، فمن جهة، يمنح استقرار التضخم وسعر الصرف هامشاً مهماً لتفادي انتقال الصدمة إلى الداخل، وقد أظهرت مؤشرات البنك المركزي السعودي بقاء التضخم عند مستويات منخفضة نسبياً مطلع 2026.
ومن جهة ثانية، تسمح إعادة ترتيب المشاريع، كما ألمح صندوق النقد، بحماية المسارات الأكثر اتصالاً بالتنويع الاقتصادي، مثل الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية، بدل توزيع الموارد على وتيرة واحدة في كل الملفات.
وكلما اتسعت مساهمة القطاع الخاص، وتحسنت كفاءة الإنفاق، وتقدمت سلاسل القيمة المحلية، تراجعت قابلية صدمة الطاقة لأن تتحول من موجة عابرة إلى كابح استراتيجي لرؤية 2030.
أبعد من لحظة السوق
الخلاصة أن السعودية لا تدير صدمة الطاقة فقط باعتبارها حادثاً خارجياً، بل باعتبارها امتحاناً لطريقة بناء الاقتصاد نفسه. فإذا بقيت السياسة المالية مرنة، وحافظت المشاريع الكبرى على أولوياتها بدل اتساعها غير المنضبط، واستمر الاقتصاد غير النفطي في كسب مساحة جديدة، فإن أثر الحرب سيبقى قابلاً للاحتواء حتى لو ارتفعت التقلبات.
أما إذا جرى التعامل مع كل ارتفاع في الأسعار بوصفه ضمانة دائمة، أو مع كل توتر إقليمي بوصفه مبرراً لتوسيع الإنفاق بلا ترتيب، فإن صدمة الطاقة قد تنتقل من السوق إلى قلب المشروع التنموي… ولهذا لا يبدو السؤال الحقيقي ما إذا كانت السعودية قادرة على تحمل الصدمة الآن، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل هذه المرحلة إلى درس إضافي في بناء اقتصاد لا تكسره السوق كلما اضطربت المنطقة.
اقرأ أيضاً: هل تصبح موانئ البحر الأحمر «بوابة الخليج التجارية»؟

