حماية البيئة البحرية لم تعد مجرد مسؤولية بيئية فحسب، بل أصبحت مجالاً للفرص الاقتصادية والاستثمارية الهائلة. وفي هذا السياق، كشفت دراسة دولية، شارك في قيادتها باحثون من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، عن إمكانات أسواق الكربون في تمويل مشاريع ترميم الأعشاب البحرية. ويقدر أن تصل القيمة السوقية المحتملة لأرصدة الكربون الناتجة عن هذه العمليات إلى 2.3 تريليون دولار أمريكي في بعض السيناريوهات.
الأعشاب البحرية من نظام بيئي إلى أصل اقتصادي
تزدهر مروج الأعشاب البحرية في المناطق الساحلية الضحلة، وقد تبدو للوهلة الأولى مجرد نباتات مائية متناثرة، إلا أنها تؤدي وظائف بيئية تتجاوز مظهرها الخارجي بكثير. فهي تساعد في تخزين الكربون، وتوفر موائل للعديد من الكائنات البحرية، وتساهم في حماية السواحل والتنوع البيولوجي ومصائد الأسماك.
تكمن أهمية هذه الدراسة في محاولتها ترجمة هذه القيمة البيئية إلى إطار اقتصادي قادر على جذب التمويل لمشاريع الترميم. فبدلاً من الاعتماد بشكل كلي على التمويل الحكومي أو المنح البيئية، يمكن أن تصبح أسواق الكربون أداةً لتأمين الموارد المالية اللازمة لمشاريع ترميم الأعشاب البحرية. لكن رقم 2.3 تريليون دولار لا يعني بالضرورة إمكانية جمع هذا المبلغ بششكل فعلي، أو أنه يمثل عائداً مضمون للمستثمرين، إذ يستند إلى نماذج وافتراضات اقتصادية وبيئية تتعلق بالقيمة المستقبلية لأرصدة الكربون.
العلم أولاً.. ثم الاستثمار لاحقاً
تحدد الدراسة شرطاً لتحويل هذه الفكرة إلى سوق حقيقية، ألا وهو وجود أنظمة دقيقة وموثوقة لقياس كمية الكربون المخزن والتحقق منها. لا يمكن لأسواق الكربون أن تعمل بناءً على تقديرات عامة، فهي تتطلب بيانات واضحة حول حجم الانبعاثات المتجنبة أو الكربون المخزن. يؤكد هذا على أهمية الرصد المستمر، والمحاسبة الشفافة للكربون، والمعايير العلمية الصارمة، إلى جانب أنظمة حوكمة تمنع المبالغة في تقدير الأرصدة أو حساب نتائج بيئية غير مؤكدة.
تقترح الدراسة، المنشورة في مجلة npj Ocean Sustainability، إمكانية دمج بيانات تخزين الكربون مع التحليلات الاقتصادية لتقدير القيمة المُحتملة لأرصدة الكربون المستمدة من استعادة الأعشاب البحرية. وتعد هذه النتائج ذات أهمية خاصة للمملكة، التي تمتلك سواحل ممتدة على البحر الأحمر، وتعمل بنشاط على تطوير مفهوم الاقتصاد الأزرق وحماية النظم البيئية البحرية.
حيث تنتشر مروج الأعشاب البحرية على طول ساحل البحر الأحمر، متداخلة مع النظم البيئية الساحلية، وموفرة موطن مناسب للعديد من الكائنات البحرية. لذلك، يمكن أن تصبح مشاريع ترميم الأعشاب البحرية المستقبلية وسيلةً للجمع بين حماية البيئة وتطوير آليات تمويل جديدة، لا سيما إذا تم إنشاء قواعد بيانات علمية دقيقة حول مخزون الكربون وقدرة هذه النظم على امتصاصه.
هذه الجهود جزء من نطاق أوسع من البحوث البحرية التي تجريها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في البحر الأحمر، والتي تشمل الشعاب المرجانية، وأشجار المانغروف، ومشاريع الكربون الأزرق، وترميم النظم البيئية.
اقرأ أيضاً: جدة في صيف 2026.. هذه التجارب تنتظرك في الواجهات البحرية
التمويل لا يغني عن حماية البيئة
على الرغم من الفرصة الاقتصادية، تؤكد نتائج الدراسة على أن أسواق الكربون لا ينبغي أن تحل محل السياسات البيئية المباشرة. فحفظ مروج الأعشاب البحرية وترميمها يتطلب حماية موائلها من التدهور والتلوث والأنشطة التي تؤثر بشكل سلبي على البيئة الساحلية.
تتمثل الفكرة الأساسية في استخدام تمويل المناخ كأداة إضافية لتسريع جهود إعادة تأهيل البيئة، لا كوسيلة لتوفير الدعم المالي لمشاريع لا تحقق نتائج بيئية ملموسة. وبهذا المعنى، قد يمثل نبات الأعشاب البحرية نموذج جديد لتحويل قيمة الطبيعة إلى فرصة استثمارية، شريطة ألا تسبق الحسابات المالية الأدلة العلمية. ففي نهاية المطاف، لا يمكن إدارة البيئة بالاعتماد على الأرقام وحدها، مهما بدت جذابة للمستثمر.

