اختتمت يوم أمس، السبت 5 سبتمبر، الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA) في السعودية، النسخة الثالثة من برنامجها التدريبي الموجه لطلاب الجامعات المتخصصين في الأمن السيبراني والمجالات ذات الصلة. وتتجاوز هذه المبادرة حدود التدريب الأكاديمي التقليدي، إذ تهدف إلى إعداد جيل قادر على التصدي للتحديات الرقمية المتنامية. وقد أقيم حفل التخرج في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) بحضور مسؤولين من القطاعين العام والخاص.
تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية في مختلف القطاعات بالمملكة، فلم يعد الأمن السيبراني مجرد مسألة تقنية تقتصر على شركات التكنولوجيا، بل أصبح ركيزة أساسية لحماية البيانات والخدمات الحكومية والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية الحيوية.
أربع مراحل تجمع بين الجانبين النظري والعملي
تضمن البرنامج أربع مراحل تدريبية دمجت بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وشملت دورات متخصصة وتمارين في الأمن السيبراني، بالإضافة إلى معسكر صيفي مكثف في جامعة غلاسكو – اسكتلندا، أتاح للطلاب الاطلاع على المناهج والخبرات الدولية في هذا المجال.
وعلى مدار عشرة أشهر، استفاد أكثر من 2000 طالب من مختلف الجامعات السعودية من هذا البرنامج، الذي تم تنفيذه بالتعاون بين الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)، والشركة السعودية لتقنية المعلومات (SITE). وتعمل مثل هذه المبادرات على سد الفجوة الجوهرية بين التعليم الجامعي والاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
تخصصات لمواجهة التهديدات الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني
لم يقتصر التدريب في البرنامج على المفاهيم العامة والمتداولة للأمن السيبراني، بل امتد ليشمل مجالات عملية متنوعة، مثل أمن الشبكات، والتشفير، وتحليل البرمجيات الخبيثة، والاستجابة للحوادث، والهندسة الاجتماعية، وإدارة التهديدات. وتسهم هذه المجالات تخرج الطلاب وامتلاكهم المعرفة النظرية إلى جانب القدرة على اكتشاف الهجمات السيبرانية وتحليلها، وإدارة تداعياتها، والحد من المخاطر المرتبطة بها. كذلك، تتيح تمارين الأمن السيبراني للمشاركين فرصة التعامل مع سيناريوهات تحاكي التحديات الواقعية التي تواجهها المؤسسات.
ماذا سيقدم البرنامج للمملكة؟ تكمن القيمة الأساسية للبرنامج في الاستثمار في الكوادر البشرية الوطنية، وهو ما يعتبر ركيزة أساسية لاستدامة منظومة الأمن السيبراني في البلاد، فالوصول إلى التقنيات المتقدمة لا يكفي وحده دون وجود الكفاءات المؤهلة لتشغيلها وتطويرها، والتعامل مع التهديدات المتطورة باستمرار.
كما تساهم هذه البرامج في رفد سوق العمل بالكفاءات السعودية المتخصصة، وسد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاعات الحيوية، إضافةً إلى تشجيع الطلاب على المضي قدماً في مسارات مهنية وبحثية ضمن أحد أسرع المجالات التقنية نمواً.
واللافت هو التعاون بين الهيئة وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) وشركة “سايت” (SITE)، تكمن أهمية الشراكات بين الجهات الحكومية والجامعات وقطاع التكنولوجيا في بناء القدرات الوطنية، فتوفر الجامعات البيئة الأكاديمية والمعرفية، ويساهم قطاع التكنولوجيا بالتطبيق العملي، بينما تحدد الجهات الوطنية الاحتياجات والأولويات الاستراتيجية.
بناءً على ذلك، يتجاوز أثر البرنامج نطاق المستفيدين منه، الذين يزيد عددهم عن 2000 طالب ليعد بفوائد مستقبلية من خلال نقل المعرفة والخبرات إلى بيئات العمل والجامعات والمشاريع التقنية الجديدة، مما يعزز قدرة المملكة على التصدي للمخاطر الرقمية المتزايدة.
اقرأ أيضاً: الأمن السيبراني أولاً للعام الثالث: هل تصنع السعودية سيادة رقمية موازية لقوتها الاقتصادية؟
خطوة نحو اقتصاد رقمي أكثر أماناً
يعتبر الأمن السيبراني ركيزة أساسية لاستمرار التقدم في مسيرة التحول الرقمي، فمع توسع نطاق الخدمات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاقتصاد الرقمي، تتزايد الحاجة إلى حماية الأنظمة والبيانات والمستخدمين.
ومن ثم، فإن تدريب جيل متخصص في هذا المجال يحمل أهمية تتجاوز مجرد خلق فرص عمل جديدة، فهو أمر جوهري لبناء قدرات وطنية طويلة الأمد لحماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز الثقة في الخدمات الإلكترونية. وبالنسبة للمملكة، فإن الاستثمار في الطلاب اليوم يعني إرساء طبقة إضافية من الحماية الرقمية للاقتصاد والخدمات والمؤسسات في المستقبل.

