لم يعد الاحتيال المالي مجرد مسألة تتعلق برسائل مجهولة المصدر أو مكالمات مشبوهة يمكن تجاهلها بسهولة، بات تهديداً يتغلغل في الحياة اليومية للمستهلكين، ويؤثر على كل شيء بدءاً من الحسابات المصرفية وعمليات الشراء عبر الإنترنت ووصولاً إلى البيانات الشخصية والخدمات المالية.
يكشف استطلاع للرأي أجري في المملكة العربية السعودية عام 2025 أن أكثر من نصف السعوديين قد تعرضوا لمحاولات احتيال، مما يسلط الضوء على حجم المشكلة وعدم كفاية مجرد حث الناس على توخي الحذر الشديد. وأظهر الاستطلاع أن 43% ممن تعرضوا للاحتيال تمكنوا من استرداد أموالهم، في حين أفاد 16% بحدوث عمليات سحب أو خصم غير مصرح بها قام بها أفراد من العائلة أو أشخاص موثوق بهم.
تبرز هذه النتيجة أحد جوانب المشكلة، فالتهديد لا يأتي دائماً من مصدر مجهول، بل قد ينشأ من داخل الدائرة المقربة والموثوقة للفرد.
لماذا ينجح الاحتيال؟
يكمن جزء من المشكلة في التطور السريع والانتشار الواسع للخدمات الرقمية، مقابل الصعوبة التي يواجهها بعض المستهلكين في فهم التفاصيل المالية والتقنية المرتبطة بها. وقد أشار الاستطلاع إلى أن 57% من المشاركين يشعرون بالحذر تجاه المنتجات المالية لعدم فهمهم للرسوم وأسعار الفائدة المرتبطة بهذه الخدمات.
كما، اعتبر 75% من المشاركين أن الاحتيال يمثل خطر حقيقي يواجه المستهلكين، بينما أشار 70% منهم إلى أن إساءة استخدام البيانات تعتبر من أكثر التحديات شيوعاً. هذا يعني أن حماية المستهلك لم تعد تقتصر على منع بيع السلع المقلدة، بل باتت تشمل حماية البيانات والحسابات، وضمان فهم المستهلكين للشروط المالية قبل الموافقة عليها.
تشمل التدابير الرئيسية للحد من المخاطر، الامتناع عن مشاركة رموز التحقق أو كلمات المرور أو التفاصيل المصرفية، وتجنب الاستجابة للطلبات العاجلة التي تضغط على الأفراد لتحويل الأموال أو الكشف عن معلومات سرية. كما أن التحقق من هوية المتصل عبر القنوات الرسمية وتجنب الروابط الواردة من مصادر مجهولة يساهمان في تقليل احتمالية الوقوع ضحية للاحتيال.
اقرأ أيضاً: التأمين الصحي في المملكة.. والحماية من محاولات الاحتيال
فماذا تفعل المملكة العربية السعودية؟
تعمل المملكة على معالجة هذه القضية عبر مسارات متعددة. ففي القطاع المالي، يؤكد البنك المركزي السعودي أن مكافحة الاحتيال المالي تعتمد على تدابير وقائية ورقابية، وتحليل البيانات للكشف عن الأنشطة المشبوهة، وتعزيز حماية المستهلك داخل المؤسسات المالية.
بالإضافة إلى ذلك، تتوفر خدمة إلكترونية للإبلاغ عن حالات الاحتيال المتعلقة بالبطاقات المصرفية عبر منصة “أبشر”، مما يتيح للمستخدمين تقديم البلاغات ومتابعتها إلكترونياً. فيما يتعلق بحماية المستهلك والتجارة الإلكترونية، أجرت وزارة التجارة أكثر من 564 ألف زيارة تفتيشية، وعالجت ما يزيد عن 647 ألف شكوى تجارية، وضبطت أكثر من 10 ملايين منتج مقلد خلال عام 2025. كما تتيح الوزارة للمستهلكين تقديم الشكاوى التجارية ومتابعة حالتها عبر الإنترنت.
وتعمل الجهات الحكومية أيضاً على تطوير تدابير متخصصة لمكافحة الاحتيال الرقمي؛ ففي عام 2025، أصدرت هيئة الحكومة الرقمية دليلاً حول مخاطر الاحتيال الرقمي، تناول مختلف أشكال الاحتيال وطرق تقييم المخاطر والحد منها في ظل التوسع في الخدمات الحكومية الرقمية. وتعد الحماية مسؤولية مشتركة.
تكشف نتائج الاستبيانات عن فجوة واضحة بين معدلات انتشار الاحتيال وثقة المستهلكين في قدرتهم على نيل حقوقهم، إذ رأى 90% من المشاركين أن آليات تقديم المطالبات أو استرداد الأموال لم تكن متاحة لهم بالقدر الكافي.
من أين تبدأ الوقاية؟
مكافحة الاحتيال تتجاوز مجرد معاقبة المحتال بعد وقوع الضرر، فهي تبدأ بالوقاية، ونشر الوعي، وتبسيط المصطلحات المالية، وضمان حماية البيانات، واستقبال الشكاوى ومتابعتها بفعالية.
وكلما زادت قدرة المستهلكين على كشف محاولات الاحتيال قبل تحويل الأموال أو الإفصاح عن بياناتهم، تقلصت مساحة المناورة المتاحة للمحتالن وهي مساحة يعطيها المحتالون بطبيعة الحال أهمية بالغة، شأنهم في ذلك شأن أي شخص اختار مجالاً يقوم على استغلال ارتباك الآخرين.

