لا تزال المملكة العربية السعودية تواصل جهودها نحو تحقيق رؤية المملكة 2030، التي تتمحور حول تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، والتي تُعتبر بدورها مشروعاً اقتصادياً ضخماً بأدوات متعددة، ولا شك أن جذب الاستثمارات الخارجية أحد مستهدفاته، حيث أُطلقت عدة إصلاحات تنظيمية ومبادرات تعزز هذا الجانب، منها تسهيل إجراءات الاستثمار وتقليل القيود أمام الأجانب وتوسيع نطاق التملك.
ويبدو أن هذه المبادرات تؤتي ثمارها بنجاحٍ، فقد حجزتِ السعودية مقعدها بين أكبر 20 وجهة عالمية للاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2025، وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر “الأونكتاد”، كما ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة خلال 2025 إلى نحو 32.6 مليار دولار، مقابل 21.3 مليار دولار في 2024، لتسجل بذلك نمواً بحوالي 53% تقريباً.
واليوم، تدل المؤشرات على استمرار هذا النشاط الاستثماري، الذي يعكس تنامي ثقة المستثمرين بفضل الاستقرار الذي تتمتع به البيئة الاستثمارية السعودية، والتي تُتوج بإصلاحات ومشاريع تستقطب المزيد من رأس المال الأجنبي.
وفي أحدث مؤشر على ذلك، ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الاقتصاد السعودي إلى نحو 1122.8 مليار ريال سعودي في نهاية الربع الأول من 2026، ليسجل زيادة بنسبة 12% على أساس سنوي، وهذا إن دلّ على شيء فهو يشير إلى تنامي حجم الاستثمارات الأجنبية المتراكمة داخل المملكة.
وفي هذا السياق، تُطرح عدة تساؤلات جوهرية: ماذا يعني وصول رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية إلى هذا المستوى؟ وكيف توزعت الاستثمارات الأجنبية داخل الاقتصاد السعودي؟
الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية
بدايةً لا بدّ من التنويه إلى الاختلاف بين الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية واستثمارات الحافظة، فالأول يتميز بتكوين علاقة طويلة الأجل بين المستثمرين الأجانب والمنشآت المحلية، ويُقصد به الاستثمار الذي تقوم به كيانات اقتصادية مقيمة في دولة ما داخل اقتصاد دولة أخرى.
ويولّد هذا النوع من الاستثمار اهتماماً مستمراً بالمنشأة أو المشروع المستثمر فيه، حيث يمتلك المستثمر الأجنبي ما لا يقل عن 10% من حقوق المساهمين، وهذا ما يمكّنه من لعب دور فعال بالتأثير على صنع القرار.
أما بالنسبة لاستثمارات الحافظة، فهي ترتبط بعملية الاحتفاظ بأدوات مالية قابلة للتداول في السوق، وقد تشمل سندات الدين أو الملكية القابلة للتداول.
وإلى ذلك يشكّل الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية ما نسبته 32% من رصيد الاستثمارات الأجنبية الإجمالي داخل الاقتصاد المحلي، والجدير بالذكر أن هذا الزخم يتزامن مع الارتفاع الذي تحققه عناصر الاستثمار الأجنبي الأخرى، والاستقطاب المتسارع للاستثمارات الخارجية.
كيف تتوزع الاستثمارات الأجنبية في السعودية؟
بحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي ساما، فقد شهد رصيد الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد السعودي ارتفاعاً إلى نحو 3530.8 مليار ريال سعودي، وذلك في نهاية الربع الأول من عام 2026، مسجلاً نمواً بنسبة 18% عند مقارنته بالفترة نفسها من 2025.
ويتوزع هذا الرصيد على كلٍّ من الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستثمارات الحافظة التي تشمل بدورها حقوق الملكية وأدوات الدين إلى جانب أسهم صناديق الاستثمار، وبلغ رصيدها 1467.3 مليار ريال، بالإضافة إلى الاستثمارات الأخرى التي سجلت 940.7 مليار ريال.
وبذلك، يمكن قراءة الرقم الإجمالي البالغ 3530.8 مليار ريال، وفق عدة إضاءات تحليلية، منها تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية كوجهة عالمية للاستثمارات الأجنبية، وتزايد ثقة المستثمرين، في ظل الإصلاحات الاقتصادية والتنظيمية الهادفة إلى دعم الاستثمار وتنويع مصادر الدخل الوطني.
وهذا ما يصب في المصلحة العامة بشكلٍ أو بآخر، فاستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوجيهها نحو قطاعات إنتاجية خدمية، يمكن أن يدعم النمو الاقتصادي ويخلق المزيد من فرص العمل، وهو ما ينعكس إيجاباً على تحسين جودة الحياة في المملكة.
اقرأ أيضاً: الاستثمار العقاري للأجانب في السعودية

