تتبدل صورة الاقتصاد عندما تخرج القرارات من قاعات الاجتماعات إلى صالة الانتظار في مستشفى، أو إلى طريق سريع، أو إلى صف دراسي. وفي الواقع، يضع اعتماد السعودية للاستراتيجية الوطنية للتخصيص ملف الخصخصة أمام اختبار يومي. فالتنفيذ لا يُقاس بالوعود، بل بما يتغير في جودة الخدمة وكلفتها واستمراريتها، وبقدرة الدولة على حماية المستفيد.
الاستراتيجية الوطنية للتخصيص ومغزاها
تقدم الجهات الرسمية الاستراتيجية الوطنية للتخصيص باعتبارها رافعة للشراكة بين القطاعين العام والخاص لا مجرد نقل ملكية. ووفق بيان للمركز الوطني للتخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص، تستهدف الخطة رفع رضا المستفيدين في 18 قطاعاً، وتوقيع أكثر من 220 عقد شراكة حتى عام 2030، وتحريك استثمارات رأسمالية مباشرة من القطاع الخاص تتجاوز 240 مليار ريال، مع خلق عشرات الآلاف من الوظائف النوعية.
ويُفهم من هذا الإطار أن الحكومة ستبقى مسؤولة عن التنظيم والرقابة، بينما يتولى الشريك الخاص التمويل أو البناء أو التشغيل وفق مؤشرات أداء وتعهدات خدمة قابلة للقياس.
من التخطيط إلى التنفيذ
برنامج التخصيص ضمن رؤية السعودية 2030 يربط مشاركة القطاع الخاص بهدفين مباشرين، تحسين جودة الخدمات وتقليل الكلفة التشغيلية على الحكومة. وتصف وثائق المركز إطلاق الاستراتيجية الجديدة بأنه انتقال من المرحلة التأسيسية التي رافقت برنامج 2018 إلى مرحلة تركّز على التسليم وتسريع التنفيذ.
ويشير البيان نفسه إلى أن البرنامج السابق اعتمد أكثر من 200 مشروع ووقّع ما يقارب 90 عقداً، ما يعني أن السوق يدخل المرحلة الحالية بخبرة تراكمية. ويعرض البيان أمثلة لفرص يجري البحث عن شركاء لها مثل مشروع الجسر البري السعودي الذي يربط السواحل الشرقية بالغربية مروراً بالرياض، ومشاريع للبنية التعليمية، وتحلية المياه والمعالجة والخزانات الاستراتيجية، وبعض المطارات الدولية.
من يستفيد أولاً ولماذا
الربح المبكر عادة يكون لمن يملك القدرة على الفوز بالمناقصات ثم ترتيب التمويل ثم تشغيل الأصل بكفاءة. لذلك تتصدر شركات الإنشاءات والتشغيل والصيانة، إلى جانب مشغلي المرافق المتخصصين في النقل والمياه والخدمات اللوجستية.
ويأتي قطاع التمويل في الصف الأول لأن عقود الشراكة طويلة الأجل تخلق احتياجاً لتمويل المشاريع وإدارة المخاطر، ما يفتح فرصاً للبنوك وشركات التأمين ومديري الأصول، وكذلك لشركات الاستشارات والهندسة والقانون التي تتولى تصميم العقود وتقييم المخاطر ومتابعة الالتزام.
لكن معيار الربح الذي تطرحه الحكومة مختلف. قال وزير المالية محمد الجدعان: “نسعى إلى تأسيس بنية تحتية مستقبلية عالية الجودة والكفاءة، وضمان أن تكون الخدمات العامة المقدمة للمواطنين والمقيمين والزوار من بين الأفضل في العالم”.
إذا تحققت هذه الغاية، يصبح المستفيد الأول اجتماعياً هو المستخدم النهائي. غير أن تحقيقها يتوقف على تفاصيل التعرفة وآليات الدعم للفئات الأكثر حساسية للسعر، وعلى قوة الجهات المنظمة في فرض مؤشرات الأداء ومعالجة التعثر، وعلى شفافية النتائج لا على عدد العقود وحده.
مخاطر متوقعة وضمانات مطلوبة
يرى مؤيدون أن ربط الدفعات بالأداء يقلل الهدر ويحفز الابتكار، بينما يحذر آخرون من مخاطر مألوفة في تجارب الخصخصة، مثل ارتفاع الأسعار في خدمات تميل إلى الاحتكار، أو تراجع العدالة المكانية إذا لم تُفرض التزامات تغطية واضحة، أو ضعف الشفافية إذا غابت بيانات الأداء عن الجمهور. في السياق السعودي يشير تحليل صحافي إلى أن الحكومة قد تلعب دوراً مباشراً في التهيئة وإعادة الهيكلة عبر شركات مملوكة لها أو عبر صندوق الاستثمارات العامة قبل طرح بعض الأصول، وهو ما قد يقلل مخاطر التعثر التشغيلي، لكنه يزيد أهمية مراقبة المنافسة وتكافؤ الفرص.
ما الذي يراقبه المواطن اليوم
نجاح الاستراتيجية الوطنية للتخصيص لا يختصره عدد العقود، بل يحسمه ما يلمسه الناس. هل تحسن زمن الانتظار؟ هل قلّت الأعطال؟ هل أصبحت قنوات الشكاوى واضحة وتستجيب ضمن مدد معلنة؟ ثم تأتي الوظائف، فوعود الوظائف النوعية تحتاج إلى تدريب وانتقال منظم يحفظ الحقوق ويضمن استمرارية الخبرات. كما أن اتساع قاعدة الفائزين في العقود يهم بيئة الأعمال، لأن تنوع الموردين والمشغلين يرفع الأثر الاقتصادي ويقلل الحساسية الاجتماعية عند أي تعثر.
في النهاية، تفتح الاستراتيجية الوطنية للتخصيص سباقاً على فرص استثمارية كبيرة حتى 2030، لكنها تضع معيار النجاح في مكان واحد، خدمة أفضل يمكن الوصول إليها بثقة.
اقرأ أيضاً: الاستحواذ الخليجي صفقات استراتيجية بزمن قياسي .. ما ثمن الخسارة المصرية؟

