لا تكشف قائمة المنتخب قبل كأس العالم أسماء اللاعبين فقط. تكشف الطريقة التي يريد بها الجهاز الفني أن يدخل البطولة، وما يخشاه، وما لا يملك وقتاً كافياً لتغييره. في حالة المنتخب السعودي، تأتي القائمة الأخيرة ومعها برنامج إعداد قصير في الولايات المتحدة، ومدرب جديد نسبياً، ومجموعة لا تسمح بالكثير من التجريب. لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى ترتيب أوراق سريعة قبل اختبار كبير، لا إلى بداية مشروع طويل.
قائمة تبحث عن الثبات قبل المغامرة
أعلن الاتحاد السعودي لكرة القدم قائمة المنتخب للمعسكر الإعدادي المقرر في الولايات المتحدة من 25 أيار حتى 10 حزيران 2026، ضمن المرحلة الرابعة والأخيرة من برنامج التحضير لكأس العالم. يقود هذه المرحلة المدرب اليوناني جورجيوس دونيس، الذي تولى المهمة في نيسان 2026 بعقد يمتد حتى تموز 2027، بعد نهاية مرحلة هيرفي رينارد وتسوية العلاقة التعاقدية معه.
هذا التوقيت يفسر كثيراً من ملامح القائمة. فالمدرب لا يملك مساحة طويلة لإعادة البناء. يستطيع أن يعدل، ويرتب، ويختبر بعض التفاصيل، لكنه لا يستطيع أن يبدل هوية الفريق كلها قبل المونديال. لذلك تميل القائمة إلى الخبرة وإلى أسماء تعرف المنتخب جيداً، مثل سالم الدوسري، سعود عبد الحميد، محمد كنو، عبد الإله العمري، حسان تمبكتي، فراس البريكان، وصالح الشهري. هذه ليست قائمة قطيعة مع الماضي، بل قائمة تحاول حفظ الحد الأدنى من الاستقرار.
في المقابل، لا تغيب الوجوه الأصغر. وجود لاعبين مثل مصعب الجوير، زياد الجهني، ومتعب الحربي يمنح المنتخب مساحة حركة وتجديد، لكن ضمن حدود محسوبة. الرسالة هنا واضحة: دونيس لا يبحث عن مفاجأة كبيرة، بل عن فريق قادر على الصمود أمام ضغط بطولة قصيرة. الخبرة مطلوبة، لكن بشرط ألا تتحول إلى بطء. والشباب مطلوب، لكن بشرط ألا يدخل البطولة بلا حماية تكتيكية.
يبقى مركز الحراسة أحد الملفات الأكثر حساسية. القائمة تضم خيارات متعددة، من نواف العقيدي إلى محمد العويس وأحمد الكسار وعبد القدوس عطية. تعدد الأسماء لا يعني أن القرار محسوم، بل يشير إلى أن الجهاز الفني يريد اختبار الجاهزية والقدرة على تحمل الضغط. فالحارس في كأس العالم لا يعيش على عدد التصديات وحده. يعيش أيضاً على هدوئه في لحظة واحدة قد تغير المباراة كلها.
معسكر أميركي لا يحتمل الوقت الضائع
برنامج الإعداد يقول شيئاً آخر عن عقلية المرحلة. المنتخب يدخل معسكراً في الولايات المتحدة، أي في بيئة قريبة من أجواء البطولة، لا في مكان معزول عن ظروفها. ويتضمن البرنامج مباريات ودية أمام الإكوادور في 30 أيار، وبورتوريكو في 5 حزيران في أوستن، مع مباراة أمام السنغال في 9 حزيران وفق الجداول الرياضية المنشورة. بعدها يبدأ الجد سريعاً: أوروغواي في 15 حزيران، إسبانيا في 21 حزيران، ثم الرأس الأخضر في 26 حزيران.
هذه المباريات ليست متساوية في الوزن، لكنها مفيدة إذا قرأها الجهاز الفني جيداً. الإكوادور تمنح اختباراً بدنياً وسرعة في التحول، بورتوريكو قد تصلح لضبط الإيقاع وتجريب بعض التفاصيل، والسنغال تقدم احتكاكاً قوياً قبل مواجهة أوروغواي. غير أن ضيق الوقت يجعل هامش الخطأ محدوداً. أي إصابة، أو ارتباك في الوسط، أو خلل في الانسجام الدفاعي، لن يبقى مجرد ملاحظة في دفتر المدرب. قد يدخل مباشرة إلى المباراة الأولى.
لهذا يبدو المعسكر أقل ارتباطاً بالتجريب الواسع وأكثر ارتباطاً بتثبيت الأدوار. من يبدأ في قلب الدفاع؟ من يربط الوسط بالهجوم؟ كيف يخرج المنتخب بالكرة تحت الضغط؟ وهل يلعب بخطوط متقاربة تنتظر المرتدات، أم يحاول فترات ضغط أعلى حين تسمح المباراة؟ هذه الأسئلة أهم من شكل القائمة على الورق. فالمنتخب الذي لا يعرف وظيفته داخل الملعب سيدفع ثمن ذلك أمام منتخبات تعرف كيف تستغل التفاصيل الصغيرة.
بين ذاكرة 2022 وحسابات 2026
لا يمكن للمنتخب السعودي أن يذهب إلى كأس العالم 2026 من دون أن ترافقه ذاكرة فوزه على الأرجنتين في قطر. تلك المباراة صنعت لحظة كبيرة، لكنها لا تصلح وحدها كخطة. كأس العالم لا يكافئ من يتذكر جيداً، بل من يستعد جيداً. بعد 2022 ظهر أن صناعة المفاجأة ممكنة، لكن المحافظة على المستوى أصعب بكثير.
المجموعة الحالية لا تمنح المنتخب طريقاً سهلاً. إسبانيا تمتلك جودة وسيطرة وعمقاً فنياً. أوروغواي فريق صلب، مباشر، ويجيد مباريات كأس العالم. الرأس الأخضر أقل تاريخاً، لكنه ليس خصماً يمكن التعامل معه كتحصيل حاصل. لذلك يحتاج المنتخب السعودي إلى واقعية مضاعفة: ألا يبالغ في الخوف، وألا يبالغ في الثقة. النقطة قد تصبح ثمينة، والهدف الواحد قد يغير الحسابات.
ما تكشفه القائمة وبرنامج الإعداد هو أن الأخضر يختار طريقاً وسطاً. لا ثورة كاملة، ولا اكتفاء بما كان. هناك محاولة لترتيب الفريق حول خبرة معروفة، وإدخال بعض الحيوية، ومنح دونيس زمناً قصيراً كي يصنع لغة مشتركة مع اللاعبين. لكن هذا الطريق يبقى محفوفاً بسؤال الجاهزية، خاصة أن الدوري المحلي أصبح أكثر قوة على مستوى الأسماء الأجنبية، لكنه لا يمنح كل اللاعبين السعوديين القدر نفسه من الدقائق والنوعية في كل المراكز.
الخلاصة أن المنتخب السعودي لا يدخل مونديال 2026 وهو يملك ترف التجريب. القائمة تقول إن الأولوية للثبات، والمعسكر يقول إن الوقت محدود، والمجموعة تقول إن أي خطأ سيكون مكلفاً. ما سيحدث أمام أوروغواي في المباراة الأولى لن يحدد كل شيء، لكنه سيكشف إن كان الإعداد قد أنتج فريقاً يعرف حدوده جيداً، أم فريقاً ما زال يبحث عن نفسه تحت ضغط البطولة.
اقرأ أيضاً: تفاصيل ومواعيد كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026

