في ظل تزايد الاهتمام بالصحة والبحث عن بدائل طبيعية للسكر، بدأت تجربة زراعة نبات “الاستيفيا” في المملكة كخيار واعد يمتاز بحلاوة طبيعية بدون سعرات حرارية. يعتبر الاستيفيا خياراً صحياً لمن يرغبون في تقليل استهلاك السكر والحفاظ على وزن صحي، حيث يساعد في تحلية المشروبات والأطعمة دون التأثير على مستوى السكر في الدم. هذه التجربة تعكس رؤية المملكة في الاعتماد على مصادر طبيعية والصديقة للبيئة، لتلبية احتياجات السوق المحلي والعالمي.
بداية حكاية نبات “الاستيفيا” في المملكة
انطلقت التجربة فعلياً من قبل أحد المزارعين السعوديين، في منتصف فبراير 2020 بمساحة صغيرة بلغت 360 متراً مربعاً موزعة على ستة أحواض زراعية في أرض مكشوفة دون استخدام البيوت المحمية، ومع حاجة النبات إلى إضاءة تمتد لـ 12 ساعة يومياً، وكونه حساساً للجفاف، اعتمد المزارع على الري وفق حالة التربة، مؤكداً أن نقص الماء يؤثر سريعاً على نمو النبات.
أما في عام 2023، تمكن مزارع بمنطقة نجران من زراعة أكثر من 15 ألف نبتة من الاستيفيا العشبية “بديل السكر” على مساحة تقدر بـ 2 دونم، في تجربة زراعية تعتبر رائدة على مستوى مناطق المملكة، تهدف إلى إدخال النباتات العشبية والأشجار الجديدة على البيئة المحلية بغرض الإنتاج والتوزيع التسويقي داخل وخارج المنطقة.
اقرأ أيضاً: الأمير يطلق أول إنتاج من الفراولة البيضاء في حائل

أبرز ما تحتاجه هذه الزراعة للنهوض.. وعناصرها الغذائية
تحتاج “الاستيفيا”، إلى تربة معتدلة واستوائية لتنمو وتعيش، حيث تعتبر نبات عشبي معمر يمكث في التربة إلى مدة تقارب سبع سنوات، وتزرع على مسافات تبلغ 5سم بين كل نبتة وأخرى، ويبلغ طولها 8 سم.
تتميز باحتواء أوراقها على مجموعة من المركبات الطبيعية التي لها قوة تحلية عالية مثل السكر ، ولها خصائص غذائية وعلاجية مذهلة، وهي مادة آمنه جدا مقارنة بالمحليات الصناعية المتوفرة بالأسواق، باعتبار أنها ليست لها سعرات حرارية. كما أنها تتميز كلك باحتوائها على الكثير من العناصر الهامة كالفيتامينات والمعادن.
كما تستخدم أورقها المجففة في تحلية الشاي والمشروبات الدافئة، إضافةً إلى ما يتم استخلاصه منها من مسحوق أخضر ناعم أو مجروش، كما يتوفر مسحوق ابيض شبيه للسكر العادي وهو مستخلص نبات الاستيفيا ذو التركيز العالي، بالإضافة الى استخلاص الصابون المفيد للبشرة.

النتائج الميدانية والدارسات حول زراعة نبات “بديل السكر”
في العام الماضي 2025، بناءً على تقرير حديث للمركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة “استدامة”، كتبت السعودية فصلًا جديدًا من فصول التنوع الزراعي، عبر تجربة نوعية لزراعة نبات الإستيفيا كبديل طبيعي وصحي للسكر. ففي مساحات تجريبية لم تتجاوز 2500 متر مربع موزعة بين جازان والخرج، جاءت النتائج لافتة. إذ أنتجت جازان من مساحة 900 متر نحو 6000 شتلة، فيما فاجأت الخرج الجميع بإنتاج 30 ألف شتلة من 1600 متر مربع، بنسبة إنتاجية تفوق 400% مقارنة بجازان.
هذه الأرقام ليست مجرد نتائج أولية، بل تمثل مؤشراً اقتصادياً وصحياً على إمكانية تحول المملكة إلى لاعب رئيسي في سوق “الإستيفيا” العالمي، الذي تتجاوز قيمته 700 مليون دولار سنوياً، في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو البدائل الطبيعية للسكر التقليدي. النتائج الميدانية حملت مفاجأة إيجابية أيضاً. فبينما سجلت جازان إنتاجية تبلغ 6.6 شتلات لكل متر مربع، حققت الخرج قفزة إلى 18.75 شتلة للمتر الواحد، ما يعكس فارقاً إنتاجياً يصل إلى 284%.
هذا التفاوت دفع الباحثين إلى دراسة العوامل البيئية والزراعية التي أسهمت في تفوق الخرج، ومناقشة إمكانية تطبيق نفس الأساليب في مناطق أخرى من المملكة. ليست تجربة “الإستيفيا” مجرد مشروع زراعي محدود، بل قصة تحول مستدام ترسم ملامح اقتصاد أخضر سعودي يتعامل مع التربة والعلم كأدوات للتنويع الاقتصادي. من 900 متر في جازان إلى 30 ألف شتلة في الخرج، تسعى المملكة إلى مستقبل صحي ومستدام.
“الاستيفيا” نبات الاستدامة والصحة
تعتبر زراعة نبات الاستيفيا فرصة استراتيجية مهمة للاقتصاد السعودي، حيث تواكب توجهات المملكة نحو التنويع الاقتصادي والاقتصاد الأخضر المستدام. التوسع في مشروعات الاستيفيا يفتح آفاقاً كبيرة للإنتاج المحلي والتصدير إلى الأسواق العالمية المتنامية للبدائل الطبيعية للسكر، مما يعزز من إيرادات القطاع الزراعي ويخلق فرص عمل جديدة في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.
أما على الصعيد الصحي، يتيح الاستيفيا للسعوديين بديلاً آمناً وطبيعياً لتحلية الأطعمة والمشروبات دون زيادة السعرات الحرارية، مما يسهم في تقليل معدلات السمنة والأمراض المزمنة المتعلقة بالسكر، ويعزز جودة الحياة بشكل عام. الاستثمار في الاستيفيا يعكس رؤية المملكة الطموحة في دمج التنمية الاقتصادية بالاستدامة البيئية والصحية، ويجعله مشروعاً ذا قيمة مضافة عالية تواكب التحولات العالمية.

