تجاوز التطور العلمي فكرة وجود الطبيب في غرفة العمليات إلى إجرائه العمليات عن بعد، قد يبدو هذا الأمر غريباً، لكنه حدث في المملكة العربية السعودية لأول مرة. وهذا الأمر غير المستغرب في الحقيقة، خصوصاً مع دخول الروبوتات إلى غرف العمليات، مما جعل بعد المسافة بين الطبيب وغرفة العمليات تختصر بنقرة زر.
فقد حققت المملكة العربية السعودية إنجازاً طبياً جديداً بعد إجراء أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد، ولا يختصر هذا الإنجاز على نجاح العملية فقط، بل كان بمثابة فتح مرحلة جديدة من الرعاية الصحية المستقبلية، حيث يمكن الوصول إلى الجراحين المتخصصين بطريقة سهلة.
أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد في المملكة
وفي تفاصيل الإنجاز الجديد، أعلنت الشؤون الصحية في وزارة الحرس الوطني عن نجاح أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد على مستوى المملكة، حيث أُجريت العملية لمريض في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بجدة، بينما كان الفريق الجراحي الذي تولى إجراء العملية موجوداً في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالرياض.
ورغم أن المدينتين تفصل بينهما مسافة كبيرة، فإن العملية تم تنفيذها وكأن الجراح يقف إلى جانب المريض داخل غرفة العمليات. فقد استُخدمت منصة KANGDUO – SageBot التي تعتمد على تقنيات اتصال متطورة تنقل أوامر الجراح إلى الروبوت في أجزاء من الثانية، مما يسمح بتنفيذ الحركات الجراحية بدقة وسلاسة.
وشارك في هذا الإنجاز فريقان متخصصان في جراحة الكلى والمسالك البولية، حيث عمل الفريق الموجود في جدة على تجهيز المريض ومتابعة حالته داخل غرفة العمليات، بينما تولى الفريق الموجود في الرياض التحكم الكامل في الروبوت وإجراء الجراحة. ويعكس هذا التعاون مستوى التقدم الذي وصلت إليه المنظومة الصحية السعودية، وقدرتها على توظيف أحدث التقنيات لخدمة المرضى.
ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في نجاح العملية فحسب، بل في أنه يفتح الباب أمام إمكانية إجراء عمليات دقيقة بين مختلف مدن المملكة، وهذا يقلل الحاجة إلى نقل المرضى، خاصة الحالات التي يصعب عليها السفر أو تحتاج إلى تدخل سريع من طبيب متخصص.
ما هي الجراحة الروبوتية وكيف تعمل؟
عندما يسمع كثير من الناس مصطلح “الجراحة الروبوتية”، يعتقدون أن الروبوت هو من يجري العملية بنفسه، لكن الحقيقة أن الطبيب هو من يقود العملية بالكامل، بينما يعمل الروبوت كأداة دقيقة تساعده على تنفيذ الحركات الجراحية بأعلى مستوى من الدقة.
فيجلس الجراح أمام وحدة تحكم داخل غرفة خاصة في المستشفى، ويشاهد مكان العملية من خلال شاشة تعرض صورة ثلاثية الأبعاد عالية الوضوح ومكبرة عدة مرات، وهو ما يمنحه رؤية أفضل بكثير من الرؤية التقليدية في بعض العمليات.
ومن خلال أدوات تحكم تشبه المقابض الصغيرة، يحرك الجراح يديه وأصابعه بشكل طبيعي، فتنتقل هذه الحركات مباشرة إلى الأذرع الروبوتية الموجودة بجوار المريض. وتتحرك هذه الأذرع بالطريقة نفسها التي يحرك بها الطبيب يديه، لكنها تتميز بثبات كبير وقدرة على الوصول إلى أماكن دقيقة داخل الجسم يصعب الوصول إليها بالجراحة التقليدية.
وفي الوقت نفسه، يبقى الفريق الطبي بجوار المريض طوال العملية، حيث يتابع حالة المريض ويشرف على عمل الروبوت ويتدخل عند الحاجة، لذلك تبقى جميع مراحل العملية تحت إشراف الأطباء بشكل كامل.
وتوجد عدة أنواع من أنظمة الجراحة الروبوتية. فهناك أنظمة مخصصة للجراحة عن بعد تسمح للطبيب بإجراء العملية من مدينة أخرى، وهناك أنظمة تستخدم في العلاج الإشعاعي لتوجيه الأشعة بدقة نحو الأورام، كما توجد أنظمة تعتمد على مشاركة مباشرة بين الطبيب والروبوت، وأخرى تعمل تحت إشراف الجراح وفق خطة يحددها مسبقاً.
لماذا أصبحت الجراحة الروبوتية خياراً مهماً؟
شهدت الجراحة الروبوتية انتشاراً كبيراً لأن فيها ميزات من الصعب تنفيذها عند استخدام الطرق التقليدية. فالجراح يستطيع رؤية مكان العملية بصورة واضحة جداً، كما يتمكن من تنفيذ حركات دقيقة يصعب على اليد البشرية القيام بها بنفس المستوى من الثبات، وهو ما يزيد من دقة العمليات، خاصة في التخصصات الحساسة مثل جراحة الكلى والمسالك البولية والقلب والأعصاب.
ومن أهم ما يميز هذه التقنية أنها تعتمد غالباً على شقوق جراحية صغيرة بدلاً من الجروح الكبيرة، وهو ما يساعد على تقليل الألم بعد العملية ويخفف كمية الدم المفقودة، كما يقلل من احتمالات الإصابة بالعدوى ويجعل فترة التعافي أقصر، فيستطيع المريض العودة إلى حياته الطبيعية في وقت أسرع.
كما تمنح هذه التقنية فرصة للاستفادة من خبرات الجراحين المتميزين حتى لو كانوا في مدينة أخرى، وهو ما يجعل الخدمات الطبية المتخصصة أكثر عدالة، ويتيح للمرضى الحصول على أفضل رعاية دون الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة.
ولهذا السبب بدأت مستشفيات كثيرة حول العالم في الاعتماد على أنظمة متطورة مثل Da Vinci الذي يعد من أشهر أنظمة الجراحة الروبوتية ويستخدم في العديد من العمليات الدقيقة، بالإضافة إلى نظام ROSA المستخدم في جراحات الدماغ والعظام، ونظام CORI الذي يساعد في جراحات استبدال المفاصل، بينما جاءت منصة KANGDUO – SageBot لتؤكد قدرة تقنيات الجراحة عن بُعد على تقديم مستوى جديد من الخدمات الطبية.
في النهاية، طغت الروبوتات على العالم كله، لذلك ليس من المستغرب أن تقوم بعملية جراحية، إلا أن الإنجاز الكبير للمملكة العربية السعودية يكمن في نجاح أول عملية عن بعد. وهذا ما يوضح حجم الدعم الذي توفره الحكومة السعودية للأطباء حتى يستطيعون تطبيق أحدث التقنيات داخل البلد، دون الحاجة للسفر خارجاً للعلاج.
اقرأ أيضاً: إنجاز طبي في مستشفى التخصصي: أول استئصال مريء بالجراحة الروبوتية في الشرق الأوسط

