تواصل السعودية استعداداتها المكثفة لموسم حج 1447هـ، عبر منظومة تشغيلية وتقنية واسعة تهدف إلى تحسين تجربة الحجاج وتسهيل تنقلاتهم وإجراءاتهم منذ لحظة الوصول وحتى انتهاء المناسك. ومع تزايد أعداد الحجاج وتعقيد العمليات اللوجستية المرتبطة بالموسم، باتت التكنولوجيا عنصراً أساسياً في إدارة الحشود والخدمات، ضمن خطط أوسع ترتبط ببرنامج “خدمة ضيوف الرحمن” أحد برامج رؤية السعودية 2030.
توسع الخدمات الرقمية لتسهيل رحلة الحجاج
أكدت وزارة الحج والعمرة أن الحلول الرقمية أصبحت ركيزة رئيسية في إدارة موسم الحج، مع اعتماد منصات إلكترونية وخدمات ذكية لتسهيل مختلف الإجراءات المتعلقة بالحجاج وشركات الخدمة. وأوضح المتحدث الرسمي للوزارة، الدكتور غسان النويمي، أن منصة “المسار الإلكتروني” أسهمت في إدارة العمليات التعاقدية والخدمية ضمن منظومة تضم أكثر من 500 خدمة مترابطة مع أكثر من 80 جهة مختلفة.
كما أشار إلى أن تطبيق “نسك” بات يقدم أكثر من 130 خدمة إلكترونية استفاد منها أكثر من 51 مليون مستخدم، في إطار جهود تستهدف تسريع الإجراءات وتحسين تجربة الحجاج منذ مراحل التخطيط وحتى الوصول إلى المشاعر المقدسة. ومن بين المبادرات التي لفتت الانتباه هذا العام، مبادرة “حاج بلا حقيبة”، التي ساهمت في تقليص مدة إنهاء الإجراءات داخل المطارات من ساعتين إلى نحو 15 دقيقة فقط، في خطوة تعكس حجم الاعتماد المتزايد على الحلول التقنية.
وتشمل الخطط أيضاً تعزيز أنظمة الإرشاد والترجمة داخل الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، عبر حلول ذكية متعددة اللغات وفرق ميدانية مزودة بأدوات ترجمة فورية، إضافة إلى ترجمة خطبة عرفة إلى أكثر من خمسين لغة. فالحج لم يعد مجرد رحلة دينية ضخمة، بل تحول أيضاً إلى واحدة من أعقد العمليات التشغيلية في العالم، حيث يحتاج الحاج اليوم إلى تطبيقات ورموز رقمية وبطاقات ذكية بقدر حاجته إلى الماء والمظلّة تقريباً.
اقرأ أيضاً: السعودية تعزز جاهزية الحج بسلاسل إمداد متنامية.. الإحرامات والمظلات
آلاف الكوادر ومئات مراكز الضيافة لخدمة الحجاج
ضمن خطط رفع الجاهزية، أعلنت الوزارة تدريب أكثر من 30 ألف موظف وكادر بشري على تشغيل الأنظمة الرقمية وإدارة العمليات الميدانية خلال موسم الحج، إلى جانب مباشرة أكثر من 111 ألف عامل لمهامهم في خدمة الحجاج داخل مختلف المواقع والمرافق.
كما وفرت الجهات المختصة أكثر من 607 مراكز ضيافة موزعة لخدمة الحجاج ومتابعة احتياجاتهم، في محاولة لتقليل الازدحام وتحسين سرعة الاستجابة للحالات المختلفة. وأكدت الوزارة تنفيذ أكثر من 83 ألف جولة رقابية ميدانية منذ بداية شهر ذي القعدة، بهدف متابعة جودة الخدمات والتأكد من التزام الجهات العاملة بالمعايير المطلوبة.
وفي المشاعر المقدسة، جرى تنفيذ أكثر من 25 مشروعاً تطويرياً هذا العام، بزيادة وصلت إلى 100% مقارنة بالموسم الماضي، شملت تحسين البنية التحتية وتوسيع الخدمات المرتبطة بالراحة والتبريد والتنقل. كما تعمل السعودية على تطوير المناطق المحيطة بالمشاعر، ومنها مشروع المنطقة المحيطة بجبل الرحمة الذي يعتمد على منظومة تبريد واسعة لتخفيف درجات الحرارة على الحجاج.
رضا الحجاج هدف أساسي ضمن “رؤية 2030”
بحسب وزارة الحج والعمرة، سجل موسم الحج الماضي نسبة رضا بلغت 91% بين الحجاج، وهو ما اعتبرته الوزارة مؤشراً إيجابياً يدفع نحو مواصلة تطوير الخدمات وتحسين كفاءة التشغيل خلال المواسم المقبلة. وتسعى السعودية من خلال برنامج “خدمة ضيوف الرحمن” إلى رفع جودة الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين، مع التركيز على التحول الرقمي وتسهيل الإجراءات ورفع مستوى السلامة والتنظيم.
كما تركز الخطط الحالية على رفع الوعي لدى الحجاج عبر برامج توعوية متعددة اللغات، شملت نشر مئات آلاف المواد الإرشادية المتعلقة بالتعليمات والتنقلات والإجراءات الصحية والتنظيمية. وشددت الوزارة على أهمية التزام الحجاج بحمل بطاقة “نسك” أثناء التنقل داخل المشاعر والحرم المكي، إضافة إلى التقيد بجداول التفويج ووسائل النقل المعتمدة.
ورغم ضخامة الأرقام والمشاريع، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة هذه المنظومة على إدارة ملايين البشر في مساحة وزمن محدودين، مع الحفاظ على الانسيابية والسلامة والراحة قدر الإمكان. فالحج ليس مجرد موسم ديني بالنسبة للسعودية، بل ملف يرتبط بالصورة التنظيمية والقدرة التشغيلية والرهان على نجاح نموذج إداري معقد أمام العالم بأكمله.

