لا شكّ أن الحوادث المرورية تشكل أحد أكبر التحديات لمختلف بلدان العالم، لما تسببه من خسائر في الأرواح والممتلكات، بالتالي تنعكس آثارها أولاً على السلامة العامة وثانياً على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
هذه التداعيات تدفع العديد من الدول إلى البحث عن حلول واستراتيجيات من شأنها تنظيم المرور وحماية الأرواح، وفي هذا السياق، تبرز تجربة المملكة العربية السعودية لرفع مستوى السلامة كواحدة من التجارب اللافتة، بعد تسجيلها انخفاضاً ملحوظاً بأعداد وفيات الحوادث المرورية على مدى 9 سنوات.
نستعرض في مقالنا أبرز ما جاء في التقرير السنوي عن الحوادث المرورية في السعودية، وما حققه الانخفاض بأعداد الوفيات من وفورات اقتصادية، مع تسليط الضوء على المنجزات النوعية.
الحوادث المرورية في السعودية
وفق التقرير السنوي للجنة الوزارية للسلامة العامة للعام 2025، فقد تراجعت نسبة وفيات الحوادث المرورية في السعودية إلى أكثر من 60% خلال الأعوام من 2016 وحتى 2025.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز في ملف السلامة المرورية انطلاقاً من الإحصائيات المقلقة التي تعود إلى عام 2016، حيث سجلت معدلات الوفيات حينها أعلى نمو لها خلال العقد السابق، فقد وصل العدد الإجمالي لحالات الوفاة الناجمة عن الحوادث المرورية في السعودية إلى 9037 حالة وفاة بنسبة 12.9% من إجمالي الوفيات الذي يُقدر بنحو 70 ألف وفاة.
كما أن معدل الوفيات خلال عام 2016 قُدّر بنحو 25.5 حالة وفاة يومياً، أي تشهد المملكة حالة وفاة واحدة كل ساعة، مقارنة بمعدل 22.8 حالة خلال سنة 2015.
تلك الزيادة كانت كفيلةً بإعادة النظر بملف التنظيم والسلامة المرورية لتشهد المملكة بعدها انخفاضاً متدرجاً بهذه الأعداد وصولاً إلى تراجع مؤشرات الوفيات بنسبة 60% خلال تسع سنوات.
إذاً، المملكة العربية السعودية تنتهج مساراً إصلاحياً استراتيجياً أوصلها إلى هذه المرحلة من التعافي، الذي يتمحور حول تكامل وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات الحكومية، والتوجه المتنامي لاستخدام التكنولوجيا والتوسع الرقمي لا سيما فيما يتعلق برصد المخالفات، بالإضافة إلى تحديث أنظمة المرور ورفع كفاءة وسرعة الاستجابة للحادث، إلى جانب تطوير البنية التحتية، وفقاً لما أشار إليه التقرير السنوي.
مسببات الحوادث
تمثّل حوادث تصادم المركبات المتحركة نحو 92% من العدد الإجمالي لحوادث المرور في عام 2025، بالتالي تشكل النسبة الأعلى من إجمالي هذه الحوادث، أما بالنسبة للمسببات فأبرزها ما يلي:
- عدم ترك مسافة أمان والذي شكل نسبة 29.2%
- الانحراف المفاجئ بمعدل 27.9%
- عدم الالتزام بأولوية المرور بنسبة 10.3%
- الانشغال والتشتت أثناء القيادة بنسبة 5.6%
وفورات اقتصادية
وفقاً لبيانات التقرير فإن المملكة وفّرت حوالي 83.6 مليار ريال سعودي بشكل تراكمي، وذلك بفضل الإجراءات الاستراتيجية والتدخلات الهادفة التي ساعدت على تخفيض عدد الحوادث المرورية في السعودية وتقليص آثارها خلال الأعوام من 2016 إلى 2025.
ويشير التقرير إلى عدم شمول حساباته لعامي 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا وما رافقها من تقييد في حركة التنقل، ولكن على الرغم من التحسن الملحوظ على المدى الطويل، فإن تكلفة الحوادث اقتصادياً زادت في سنة واحدة بين 2024 و2025 بمقدار 2.2 مليار ريال.
السلامة المرورية ركيزة للمدن الذكية
تتجه المملكة العربية السعودية نحو تحسين جودة حياة مواطنيها وتحقيق معايير المدن الذكية والتخطيط الحضري من خلال عدة مشاريع ومبادرات تتماشى مع رؤية 2030، وهو توجه يرتبط بشكل مباشر بمستهدفات السلامة المرورية حتى عام 2027 التي استعرضها التقرير، إلى جانب تقدم مؤشرات الأداء التنفيذية والاستراتيجية.
كما تطرق التقرير السنوي للسلامة المرورية إلى تقييم الوضع المروري في مختلف أنحاء المملكة، إلى جانب استعراض منجزات الجهات المعنية، في إطار درء المخاطر المرورية وتخفيض نسبة الوفيات والإصابات الناجمة عنها.
منجزات نوعية
يُعدُّ تحديث نظام المرور من أبرز المنجزات النوعية التي شهدتها المملكة خلال عام 2025، بما يتضمن اتخاذ إجراءات صارمة بإبعاد مرتكبي المخالفات الجسيمة من الأجانب، إلى جانب اعتماد منظومة النقل البري ولائحته التنفيذية.
علاوة على البدء بتنفيذ معايير “كود الطرق السعودي” في مشاريع الطرق الجديدة بهدف تعزيز سلامة الطرق ورفع جودة البنية التحتية واستدامتها، ويُعد هذا الكود بمثابة مرجع فني للجهات المعنية بشؤون الطرق في المملكة بمختلف مستوياتها كالوزارات وأمانات المناطق وغيرها.
يبدو أن المملكة العربية السعودية تتعامل مع ملف السلامة المرورية كجزء لا يتجزأ من استراتيجيتها الهادفة إلى رفع جودة الحياة ودعم مستهدفات المدن الذكية، فالانخفاض بأعداد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور يعكس تكامل الجهود الحكومية والتوسع باستخدام التقنيات وتطوير البنى التحتية، فيما يكمن التحدي بإمكانية المحافظة على هذا المسار والتعامل مع السلامة المرورية كثقافة مستدامة.
اقرأ أيضاً: السعودية تنظم المركبات ذاتية القيادة .. من المسؤول عن المخالفات والحوادث؟

