تتغير التحالفات في الشرق الأوسط بسرعة لا تسمح بالقراءة السطحية، وما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه تناغماً خليجياً ثابتاً صار اليوم أقرب إلى شراكة تُدار على إيقاع المصالح والاختبارات الميدانية. وبالنسبة للقارئ السعودي، لا يتعلق الأمر بمباراة نفوذ مجردة، بل بسؤال عملي عن أمن الحدود واستقرار الجوار وقدرة الدبلوماسية على منع النزاعات من التحول إلى أزمات طويلة. ومن هنا تصبح قراءة التباينات مع أبو ظبي ضرورة لفهم ما يجري في اليمن والسودان، من دون تهويل أو إنكار.
الخلاف السعودي الإماراتي ومعادلة الأمن
تُظهر البيانات السعودية في الأسابيع الأخيرة تركيزاً واضحاً على مفهوم الأمن القومي باعتباره معياراً حاكماً لأي شراكة. فقد دعت المملكة، وفق بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية، إلى استجابة الإمارات لطلب الحكومة اليمنية بخروج قواتها خلال أربع وعشرين ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن.
ويعكس هذا الطرح أن الخلاف السعودي الإماراتي، من زاوية الرياض، يرتبط بحدود واضحة تتقدم فيها سيادة الدولة اليمنية على أي ترتيبات محلية، وبحساسية خاصة تجاه التحركات قرب الحدود.
اليمن حين تتقاطع الأجندات
تتضاعف حساسية اليمن لأن المملكة ترى أن أي تشظي إضافي يطيل الحرب ويخلق فراغات أمنية تستفيد منها جماعة الحوثي. وفي المقابل تشير تقارير دولية إلى أن أبو ظبي احتفظت بعلاقات وثيقة مع قوى جنوبية بينها المجلس الانتقالي الجنوبي، ما جعل الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين أكثر وضوحاً.
وفي أواخر ديسمبر 2025 وصلت التوترات إلى ذروة ميدانية بعد ضربات استهدفت ميناء المكلا، وربط بيان عسكري نُشر عبر وكالة الأنباء السعودية ربط الضربات بوصول سفن من الإمارات تحمل مركبات وعتاداً عسكرياً، بينما قالت الإمارات إن بيان المملكة تضمن معلومات غير دقيقة عن دورها ودعت إلى التعامل بمسؤولية مع التطورات.
السودان وساحات الوساطة السعودية
في السودان، اختارت الرياض منذ اندلاع الحرب مسار الوساطة والضغط الدبلوماسي. فقد دعمت مع واشنطن إعلان جدة لحماية المدنيين في مايو 2023، وهو نص يؤكد التزامات قانونية وإنسانية على طرفي القتال.
كما نشرت السعودية بيانات تكرر أن لا حلاً عسكرياً مقبولاً، وتدعو القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى التفاوض ووضع مصلحة الشعب أولاً. ومع استمرار الحرب، ظهرت بيانات مشتركة تشدد على سيادة السودان ووحدته وضرورة الحل السياسي، شاركت فيها السعودية إلى جانب الإمارات ودول أخرى معنية بالملف.
ومع ذلك يكشف الملف السوداني جانباً إضافياً من الخلاف السعودي الإماراتي، يتمثل في المزاعم المتداولة عن دعم خارجي لأطراف القتال. فقد تحدثت تسريبات وتقارير إعلامية عن مؤشرات دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أبو ظبي علناً.
وتوسع الجدل مع تحرك السلطات السودانية أمام محكمة العدل الدولية باتهامات ضد الإمارات، بينما ردت الإمارات برفض الاتهام والطعن في أسسه. بالنسبة للمملكة، يضيف هذا السجال عبئاً على مسار الوساطة لأنه يرفع منسوب انعدام الثقة، ويجعل حماية المدنيين وإيصال المساعدات أصعب كلما طال تبادل الاتهامات.
اقتصاد السياسة وحدود الشراكة
لا يمكن فصل الخلاف السعودي الإماراتي عن منافسة اقتصادية صاعدة. وقد تحدثت تقارير اقتصادية حديثة عن أثر التوتر على أعمال شركات تعمل من الإمارات وتحتاج إلى الحركة داخل السعودية، مع نفي سعودي لوجود سياسة مقصودة في هذا الجانب. وفي العمق، تكشف هذه التفاصيل أن إدارة الخلاف لم تعد شأناً خارجياً فقط، بل أصبحت جزءاً من معركة الثقة التي تقوم عليها خطط التحول الاقتصادي وصورة الاستقرار الإقليمي.
سيناريوهات التهدئة ومسار المصالح
المؤشرات توحي بأن الطريق الأقرب ليس القطيعة ولا التسليم، بل ضبط التنافس بقواعد تمنع انفلاته. من منظور الموقف السعودي الرسمي، يمكن أن يفتح الالتزام بمرجعية الحكومة اليمنية وتخفيف التحركات العسكرية قرب الحدود نافذة لتهدئة سريعة، بينما يحتاج السودان إلى توافق أوسع على وقف النار وضمان تدفق المساعدات من دون تسييس. وحتى إذا استمر الخلاف السعودي الإماراتي، فإن اختباره الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على حماية المصالح المشتركة ومنع ساحات النزاع من التحول إلى صدام دائم يرهق المنطقة ويطيل معاناة الشعوب.
اقرأ أيضاً: قبل الانفجار: كيف أحبطت الاستخبارات السعودية مخطط الزبيدي في اليمن؟

