تشهد المملكة العربية السعودية منذ سنوات تحولات كبيرة في بنيتها الاقتصادية. فبعد أن ركز اقتصادها لفترة طويلة على النفط، شرعت المملكة في سياسة تنويع الاقتصاد، لتتحول اليوم نحو اقتصاد يقوم على تبادل المال بالتكنولوجيا. ومع سعيها لأن تصبح مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، شهدت العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية تغيراً ملحوظاً خلال فترة حكم ترامب الحالية بفضل سياساته المنفتحة على الدول، في مقابل التقييد الذي فرضه جو بايدن خلال فترة حكمه السابقة.
شراكات سعودية أمريكية في الذكاء الاصطناعي
اتجت العديد من الشركات السعودية نحو اباستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي في أمريكا. ومنها شركة “داتافولت” السعودية التي أطلقت في وقت سابق حزمة شراكات مع الولايات المتحدة تُقدر قيمتها بحوالي 600 مليار دولار، وتشمل استثمارات وصفقات بين البلدين. ومن بين هذه الشراكات استثمار بمبلغ 20 مليار دولار لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي وبنية تحتية للطاقة في الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، تتمثل توجهات الشركات الأمريكية نحو تحويل السعودية إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي دعماً لرؤية المملكة 2030 في عدة اتفاقيات. ومنها “أمازون ويب سيرفيسز” التي أعلنت عن استثمار أكثر من خمسة مليارات دولار لإنشاء “منطقة للذكاء الاصطناعي” في المملكة، بينما تخطط “غوغل كلاود” لاستثمار عشرة مليارات دولار لإنشاء مركز ذكاء اصطناعي بالتعاون مع شركاء سعوديين.
كما أعلنت شركة “إنفيديا” في وقت سابق عن بيع أكثر من 18 ألف شريحة متقدمة لشركة “هيوماين” لتطوير قدرات السعودية في الذكاء الاصطناعي. وشركة “إيه إم دي” وقعت اتفاقية مع “هيوماين” لاستثمار عشرة مليارات دولار خلال خمس سنوات لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تمتد من السعودية إلى الولايات المتحدة.
المنفعة المتبادلة من هذه العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة توحد الرؤية المشتركة لهما. فالسعودية من جهتها تسعى لاستثمار مواردها في الطاقة والبنية التحتية لتصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي يخدم أسواق آسيا وأفريقيا، بينما ترى الشركات الأمريكية في المملكة سوقاً كبيرة وفرصة للتوسع خارج أسواقها التقليدية.
وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع تشير البيانات الأمريكية إلى أن الاستثمار السعودي المباشر في الولايات المتحدة وصل إلى نحو 9.5 مليارات دولار حتى نهاية 2023، بينما بلغ الاستثمار الأمريكي المباشر في المملكة حوالي 54 مليار دولار، أي نحو 23% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية. كما بلغ حجم التجارة بين البلدين في السلع والخدمات عام 2024 نحو 39.5 مليار دولار، منها حوالي 26 مليار دولار في السلع.
خطوة لتعزيز العلاقات
تفتح العلاقات الاقتصادية في مجال الذكاء الاصطناعي بين السعودية والولايات المتحدة فصلاً آخر من التعاون بين البلدين. فواشنطن ترى في شراكتها مع الرياض وسيلة لتعزيز تأثيرها التكنولوجي في الشرق الأوسط لمواجهة التحديات العالمية، بينما تسعى السعودية لتنويع تحالفاتها دون المساس بعلاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة.
ويحمل هذا التعاون تحديات كبيرة بحجم الطموحات التي تسعى لتنفيذها الشركات التابعة للطرفين. وتكمن أبرز هذه التحديات في نقل المعرفة، وضمان الأمن السيبراني، وحماية البيانات، وتعقيدات البنية التحتية الحديثة. إلا أن الشراكة الجديدة تستطيع القفز فوق كل هذه التحديات.
ويعيد التعاون بين الولايات المتحدة والسعودية في مجال الذكاء الاصطناعي رسم الموازين الاقتصادية في الشرق الأوسط والعالم. لتنطلق لغة شراكة جديدة بينما قائمة على قوتين، الأولى تملك رأس المال والطاقة، والثانية تملك التكنولوجيا والمعرفة. وبالتالي تلبي هدف السعودية بتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط.
والجدير بالذكر أن خطوة السعودية نحو هذه الاتفاقيات توقفت خلال الفترة الأخيرة في حكم بايدن الذي قيد وصول التكنولوجيا المتقدمة إلى عدد كبير من دول العالم بما فيها دول الخليج. إلا أن ترامب جاء وقام بانقلاب على هذه السياسة عند زيارته الأولى للسعودية عقب توليه الرئاسة. فقد أعلن وقتها عن عدد من الصفقات لتزويد الشركة السعودية الجديدة للذكاء الاصطناعي “هيوماين” بأشباه الموصلات المتقدمة.
باختصار، السعودية تتجه بقوة نحو سوق الذكاء الاصطناعي الذي لطالما عملت على تعزيزه خلال السنوات القليلة الماضية. مستغلة الفرص التي أتاحها الانفتاح الاقتصادي الأمريكي، لتبرم اتفاقيات وعقود تعزز ثقتها في الوصول إلى أهدافها المستقبلية.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الغذاء والدواء في السعودية

