تخيل أن زرّاً واحداً ينقل الكهرباء من شبكة إلى أخرى عبر البحر، في لحظة ترتفع فيها الأحمال ويحتاج الناس إلى ضوء ثابت وتكييف لا ينقطع.. الفكرة لم تعد تصوراً بعيداً، بل مشروع يقترب من التشغيل ويحوّل التعاون بين القاهرة والرياض إلى تعاون يمكن قياسه بالميجاوات. وحين يعمل الربط بكفاءة، تصبح إدارة الذروة أقل كلفة، وتغدو الشبكات أكثر مرونة، وتصبح الطاقة المتجددة أسهل في الدمج.
الربط الكهربائي المصري السعودي بالأرقام
تشير المتابعة الحكومية الأخيرة إلى أن المشروع دخل مرحلته النهائية تمهيداً لتشغيل المرحلة الأولى بقدرة تبادل 1500 ميجاوات، على أن تتبعها خلال أشهر قليلة مرحلة ثانية ترفع القدرة إلى 3000 ميجاوات.
كما ذُكر بدء التشغيل التجريبي خلال ديسمبر 2025، وهو انتقال عملي من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الاختبارات التي تسبق التشغيل الرسمي. هذا التدرج يتيح اختبار المنظومة على أحمال متصاعدة والتأكد من سلامة الحماية والتحكم قبل الوصول إلى القدرة القصوى.
لماذا تحتاجه القاهرة والرياض الآن
الطلب على الكهرباء في البلدين لا يتحرك بالإيقاع نفسه. ذروة الاستهلاك ترتبط بالحر وبأنماط الصناعة والسكان، لكنها تختلف في توقيتها وشدتها، كما تختلف تركيبة التوليد وخطط التوسع في مصادر الشمس والرياح. هنا يظهر الربط الكهربائي المصري السعودي كأداة لتقليل الاعتماد على احتياطيات محلية كبيرة تعمل لساعات قليلة وتستهلك وقوداً وتكلفة تشغيلية عالية.
تبادل الطاقة عند الحاجة يعني أن كل شبكة تستطيع أن تستند إلى الأخرى في لحظات محددة، من دون أن تفقد سيادتها على قرار التشغيل أو أولوياتها الداخلية.
كيف يعمل الجسر التقني
جوهر المشروع ليس “خطاً طويلاً” فقط، بل منظومة تحويل وتحكم دقيقة. وفق معلومات تقنية منشورة عن التنفيذ، يعتمد الربط على تقنية التيار المستمر عالي الجهد HVDC بجهد 500 كيلوفولت، مع ثلاث محطات تحويل رئيسية تمكّن تبادل 3000 ميجاوات في الاتجاهين. وتذكر مصادر مصرية رسمية أن المحطات موزعة بين بدر في مصر، وتبوك وشرق المدينة المنورة في السعودية.
كما تشير بيانات رسمية إلى أن الربط يعتمد على خطوط هوائية طويلة تمتد لنحو 1350 كيلومتراً، إضافة إلى كابلات بحرية ضمن المسار.
مكاسب السوق واستقرار الشبكات
أثر الربط الكهربائي المصري السعودي لا يقتصر على “شراء وبيع” كهرباء. المرونة التشغيلية التي يخلقها الربط تسمح باستيراد طاقة في ساعات ترتفع فيها الأسعار أو تتعطل فيها وحدات توليد، وتصدير فائض عندما تتوافر قدرة إضافية. ومع توسع الطاقة المتجددة، يصبح وجود منفذ تبادل سريع وسيلة لتخفيف تقلبات الإنتاج وتقليل هدر الطاقة عند زيادة التوليد عن الطلب.
وعلى المدى الأبعد، يمكن أن يشكل تبادل يصل إلى 3000 ميجاوات خطوة على طريق سوق إقليمي أكثر تكاملاً إذا توافرت قواعد واضحة للتسعير وتحديد المسؤوليات، كما يخلق الربط هامشاً أفضل لاستيعاب مشروعات الطاقة المتجددة الكبيرة، لأن الفائض يمكن توجيهه خارج الحدود بدل إهداره، وهو ما يدعم التخطيط طويل الأجل في القطاعين العام والخاص.
تحديات التنفيذ وأسئلة مفتوحة
اقتراب التشغيل يرفع قيمة الأسئلة التنظيمية والعملية. كيف ستُحدد آلية التسعير بين الشبكتين، وهل ستكون عقوداً ثنائية ثابتة أم تبادلاً مرناً وفق ساعات الذروة؟ ما بروتوكولات فصل الربط عند الاضطرابات لمنع انتقال الأعطال؟ وكيف ستُدار مخاطر الأمن السيبراني في منظومة تعتمد على تحكم رقمي ومحطات تحويل كبيرة؟
هناك أيضاً تحديات صيانة الكابلات البحرية ومحطات الجهد العالي، وضرورة تنسيق أكواد الشبكات ومعايير السلامة. نجاح الربط الكهربائي المصري السعودي سيُقاس بقدرته على العمل بثبات عبر مواسم الذروة وبالالتزام بجداول الصيانة.
في المحصلة، يفتح الربط الكهربائي المصري السعودي باباً عملياً لفكرة الأمن الطاقي المشترك: كهرباء تتحرك حيث تكون الحاجة، وشبكات أقل هشاشة أمام الصدمات. ومع الحديث عن اختبارات فنية متقدمة تمهيداً لتبادل فعلي في المرحلة الأولى، تبدو الأسئلة القادمة حول الاستمرارية والحوكمة، لا حول إمكانية التنفيذ.
اقرأ أيضاً: الاستحواذ الخليجي صفقات استراتيجية بزمن قياسي .. ما ثمن الخسارة المصرية؟

