في عالمٍ تحتل الرياضة فيه نصيباً كبيراً من الاهتمام والشغف، تحوّلت المملكة العربية السعودية إلى دولة واعدة في مجال الرياضة العالمية. عشرات المليارات تدفقت، لا لشراء مباريات أو حفلات قصيرة العمر، بل لبناء هوية رياضية جديدة.. هذا التقرير يقودك إلى ميدان الاستثمار الرياضي السعودي، حيث تتشابك الطموحات الاقتصادية مع الاستراتيجيات الثقافية، لتصنع رياضة وطنية تستحقها الأجيال…
الرياضة السعودية بين الرؤية والأموال
على مدى الخمس سنوات الماضية، أصبحت الرياضة السعودية جزءاً لا يتجزأ من رؤية 2030 التي أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. تمثل الرياضة جزءاً محورياً من خطة التنويع الاقتصادي، وتحويل الاقتصاد من اعتماد شبه مطلق على النفط إلى تنمية مستدامة تشمل القطاع الرياضي والترفيهي والتراثي.
وفيما يتعلق بحجم الإنفاق، تشير تقارير شركة «فوربس» وغيرها إلى أن السعودية أنفقت منذ عام 2021 وحده نحو 6.3 مليار دولار على صفقات رياضية، تقريباً أربعة أضعاف ما أنفقته في ست سنوات سابقة. وتشير بيانات «دلويت» إلى أن صافي إنفاق أندية الدوري السعودي على الانتقالات الصيفية في 2023 بلغ نحو 907 مليون دولار، ما وضعه في المرتبة الثانية عالمياً بعد الدوري الإنجليزي الممتاز.
أما القطاع الرياضي ككل، فقد قُدِّر في 2024 بقيمة سوقية تقارب 30 مليار ريال (حوالي 8 مليارات دولار)، مع توقع بنموه إلى 85 مليار ريال (ما يعادل 22–22.5 مليار دولار) بحلول نهاية العقد الحالي.
بالإضافة إلى ذلك، تحدث تقرير لـ SURJ Sports Investments عن ارتفاع مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي من 2.4 مليار دولار في 2016 إلى ما يقارب 6.9 مليارات دولار في 2019.
الانتقالات والصفقات الفلكية
في أول موسم لهجوم سعودي على سوق الانتقالات، اشترت أندية الدوري السعودي للمحترفين 94 لاعباً من الدوريات الأوروبية الكبرى لعام 2023، بما يقارب 952 مليون دولار من الإنفاق الصيفي بحسب «كامكو». ووفق بيانات الفيفا، بلغ إنفاق المملكة آنذاك 875.4 مليون دولار على أجانب خلال الانتقالات الصيفية.
وشملت أبرز الصفقات أساطير مثل كريستيانو رونالدو في النصر، ونيمار وكريم بنزيما في أندية سعودية مختلفة، وقدّم مصدر في الدوري تصريحاً بأن المملكة تعتزم أن تدفع «مبلغاً سنوياً قدره 100 مليون دولار» إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) كأكبر راعٍ له تحضيراً لكأس العالم 2034.
الاستحواذات واستراتيجيات الحوكمة
في يونيو 2023، استحوذ صندوق الاستثمارات العامة (PIF) على نسبة 75% من أربع أندية سعودية كبرى: الهلال، النصر، الأهلي، والاتحاد، وبدأت هذه الأندية باستقطاب نجوم عالميين برواتب ضخمة، ضمن استراتيجية جعل الدوري السعودي محط أنظار العالم.
كما أعلن مؤخراً دخول شركة أجنبية مثل Harburg Group لشراء نادي Al Kholood بنسبة 100%، كأول استثمار أجنبي كامل في أحد أندية الدوري السعودي، وهو تحوّل كبير في سياسة الانفتاح المالي على الرياضة المحلية.
الهدف الاستراتيجي والنتائج
الرؤية الاستراتيجية للمملكة لا تقف عند شراء النجوم، بل تتجاوز ذلك نحو تمكين الرياضة داخلياً، وتطوير المواهب الشابة، ورفع مستوى الحضور الجماهيري. إنشاء أكاديمية مهد الرياضية في الرياض عام 2020، ثم توسّعها لتشمل 16 فرعاً عبر 13 محافظة من المملكة عام 2025، هو تجسيد لهذا التوجه.
وقال Danny Townsend، الرئيس التنفيذي لـ SURJ Sports Investments، إن الميزانية المالية لهذه الاستراتيجية هي جزء من دعم مباشر لرؤية 2030 وتحول المملكة إلى مركز سياحي ورياضي عالمي، مشيراً إلى أن القطاع نَمَى من 2.4 مليار دولار في 2016 إلى ما يقارب 7 مليارات في عام 2019، وصولاً لاستثمارات هائلة لاحقاً.
وأضاف Townsend أن استراتيجية استقطاب نجوم مثل رونالدو ونيمار وبنزيما تأتي ضمن مشروع أكبر لهيكلة جديدة لكرة القدم السعودية وبناء تأثير دولي دائم.
وأشار الأمير محمد بن سلمان، بدون تلطيف، في حديثه لإحدى المحافل الدولية، إلى أنه لو كان «تبييض السمعة بالرياضة سيزيد الناتج المحلي بنسبة 1%، فهو مستعد للمضي به»، في إشارة مباشرة إلى استراتيجية الاستفادة من الرياضة كأداة ناعمة للتأثير والصورة العالمية، رغم الانتقادات باتهامات بـ «الغسيل الرياضي».
نتائج ملموسة: مردود واستدامة متصاعدة
نمو الاقتصاد الرياضي من 8 مليار دولار إلى توقّعات 22 مليار دولار بحلول 2030 يمثل عائد استثماري هائل: تحوّل القطاع إلى مصدر دخل مباشر، وبوابات توظيف، ومحفز للسياحة المحلية والدولية.
وفيما يخص كرة القدم، ارتفعت القيمة السوقية للاعبين في الدوري من نحو 1.28 مليار دولار صيف 2023 إلى حوالي 1.36 مليار في صيف 2024، في مقابل عوائد نقل اللاعبين بقيمة 27.7 مليون دولار من خلال بيع 107 لاعبين نحو أسواق خارج السعودية، ما يمثل توازناً مادياً أولياً نحو الاستدامة المالية.
ورغم الحضور الإعلامي والصفقات الأسطورية، فإن التحديات لم تنته: تشير مقالات تحليلية إلى أن الإقبال الجماهيري في الملاعب لا يزال دون مستوى التوقعات، والتساؤلات حول مدى اهتمام جمهور عالمي بالدوري السعودي دون تكرار نجوم بمستوى الإنجاز الأوروبي ما زالت قائمة.
ختاماً، بهذه التجربة السعودية التاريخية، تُرسم صورة الدولة الطموحة التي تراهن بمليارات الدولارات على مستقبل يتخطى حدود الثورة النفطية، نحو أجندة ثقافية ورياضية اقتصادية جديدة. فالاستثمار في الرياضة وبخاصة في كرة القدم لم يكن مجرد إنفاق بل استراتيجية متعددة الأبعاد يحضر فيها الاقتصاد، والشباب، والترفيه. والآن، بعد انتصار ملف المملكة لاستضافة كأس العالم 2034، يقف العالم أمام فصل جديد في سيناريو التحول السعودي، فصل تتداخل فيه الرياضة مع الاقتصاد والدبلوماسية والحضور العالمي.
اقرأ أيضاً: نستطيع استضافة 64 منتخباً في كأس العالم: وزير الرياضة السعودي يوضح!

