يبدو أن الرياض قررت أن ترفع سقف “الفن العام” مرة أخرى. عبر برنامج الرياض آرت، لم يعد الضوء مجرد شيء نراه ونمشي، بل صار مادة يمكن “سماعها” وتحويلها إلى موسيقى. الفكرة ليست خيالية بالكامل، لكنها بالتأكيد تتجاوز ما اعتدنا عليه في التجارب الفنية التقليدية، خصوصاً مع إدخال حواس غير البصر في عملية التلقي الفني.
فكرة الرياض آرت حين يتحول الضوء إلى صوت
تقوم مبادرة “معزوفة النور” على فكرة تحويل الأعمال البصرية المعروضة ضمن فعاليات “نور الرياض” إلى مقطوعات موسيقية. الفكرة الأساسية بسيطة في ظاهرها، تحليل الضوء، الحركة، والفضاء، ثم إعادة ترجمتها إلى صوت. لكن التنفيذ أكثر تعقيداً، لأنه يعتمد على شراكات فنية وإنتاجية متخصصة، تجعل من العمل البصري تجربة سمعية موازية له، وكأن الفن قرر فجأة أنه لا يريد أن يبقى “مرئياً فقط”.
اقرأ أيضاً: بينالي الدرعية.. انطلاقة أبريل الثقافية وتنوّع الفعاليات الفنية
التجربة الحسية.. مجدي بن مروان وإعادة تعريف الإدراك
في قلب هذه التجربة يقف الموسيقي الكفيف مجدي بن مروان، الذي تعامل مع الأعمال الفنية بطريقة مختلفة تماماً عن التلقي التقليدي. بدل النظر، اعتمد على الصوت، الاهتزاز، والإحساس بالمكان، وحتى تغيرات الحرارة والفراغ. النتيجة كانت تحويل هذه الإشارات إلى مقطوعات موسيقية تعكس روح الأعمال الفنية. المفارقة هنا أن غياب البصر لم يكن عائقاً، بل نافذة مختلفة تماماً لفهم “الضوء” نفسه.
الأثر الثقافي والامتداد الرقمي للتجربة
لم يقتصر المشروع على حدود المعرض فقط، بل تعداها إلى المنصات الرقمية، مما أتاح للتجربة الوصول إلى الجمهور بغض النظر عن المكان أو الزمن. هذا التوجه يتماشى مع فكرة تحويل الفن العام إلى تجربة يومية يسهل الوصول إليها. في جوهرها، تعكس المبادرة محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والفن، من مجرد “مشاهدة” إلى “تفاعل متعدد الحواس”، وهو تحول يبدو بسيطاً من الناحية النظرية، لكنه يحدث تغييراً جوهرياً في كيفية إدراك الفن ضمن الفضاء الحضري.
في النهاية، الرياض لا تقدم فقط فعاليات فنية، بل تذكر الجميع بأن الفن ليس مجرد لوحة معلقة على الحائط… بل هو أحياناً صوت، اهتزاز، وإحساس عميق بالمكان.

