لا تُقاس صلابة وقوة الدفاعات الجوية حين يكون الأفق هادئاً، بل حين تتحول السماء إلى امتحان مفتوح، وحين يصبح السؤال أكبر من خبر عاجل عن صاروخ أُسقط أو طائرة مسيّرة أُبطلت.. عند تلك اللحظة تبدأ القراءة الحقيقية، لأن الحدث لا يختبر السلاح وحده، بل يختبر قدرة الدولة على حماية المجال الحيوي وطمأنة الداخل وإرسال رسالة محسوبة إلى الخارج.
ومن هذه الزاوية تبدو هجمات 28 مارس على الرياض مناسبة لقراءة أوسع في معنى الردع، لا بوصفه شعاراً عسكرياً، بل بوصفه معادلة تتداخل فيها الجاهزية والكلفة والاستمرارية والسياسة قبل كل ذلك ربما.
الردع الجوي السعودي تحت الاختبار
بحسب ما أوردته وزارة الدفاع السعودية ونقلته وسائل إعلام عدة، جرى اعتراض صاروخ باليستي كان متجهاً نحو الرياض فجر أمس السبت، بعد ساعات من حديث رسمي عن اعتراض صواريخ أخرى وطائرات مسيّرة استهدفت العاصمة. وفي الرواية المعلنة، أشارت الوزارة إلى أن ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه منطقة الرياض يوم الجمعة، اعترض اثنان منها، بينما سقطت البقية في الخليج العربي أو في مناطق غير مأهولة، كما أُعلن اعتراض أكثر من عشر طائرات مسيّرة منذ منتصف الليل. هذه التفاصيل لا تجعل هجمات 28 مارس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل تضع الردع الجوي السعودي أمام اختبار كثيف ومباشر.
اعتراض ناجح لا حسم كامل
القراءة الأولى تقول إن الدفاعات الجوية السعودية نجحت في المهمة الأكثر إلحاحاً، أي منع وصول الهجوم إلى هدفه المباشر داخل الرياض، وهذا عنصر قوة لا يمكن تجاهله، لأن نجاح الاعتراض في لحظة توتر إقليمي واسع يثبت وجود جاهزية تشغيلية وقدرة على الاستجابة السريعة. لكن القراءة الثانية، وهي الأهم في تقدير معنى الردع، تشير إلى أن نجاح الاعتراض لا يساوي بالضرورة تحقيق ردع كامل. فالردع المانع يعني تقليص رغبة الخصم في المحاولة أصلاً، بينما تكشف كثافة الهجمات وتكرارها أن الخصم ما زال يعتبر الاختبار ممكناً، حتى لو كانت فرص النجاح الميداني محدودة.
وهنا ربما يظهر الفارق بين دفاع جوي فعّال وبين ردع مكتمل الأثر، الأول يحبط الضربة، أما الثاني فيمنع تكرارها أو يخفض وتيرتها إلى حد بعيد.
ما الذي تقوله الأرقام
تزداد هذه الصورة وضوحاً مع الأرقام التي أوردتها وزارة الدفاع السعودية، والتي تحدثت عن 740 هجوماً بالطائرات المسيّرة داخل المملكة منذ 28 فبراير، إضافة إلى 54 صاروخاً باليستياً و7 صواريخ كروز، قالت إن معظمها جرى اعتراضه وتدميره.
والأرقام هنا مهمة لسببين، الأول أنها تشير إلى قدرة دفاعية مستمرة تحت الضغط، والثاني أنها تكشف أن بيئة التهديد لم تعد مرتبطة بضربة استثنائية، بل بنمط متكرر من الاستنزاف. وهذا النوع من الضغط لا يُقرأ فقط بعدد الأهداف التي تم إنقاذها، بل أيضاً بكلفة الجاهزية الدائمة، وحجم الموارد المطلوبة للحفاظ على المظلة الدفاعية، والجهد السياسي والعسكري اللازم لإدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى توسع أكبر.
الدفاع حين يطول الاستنزاف
ما تكشفه هجمات 28 مارس، إذاً، ليس ضعفاً سعودياً بالمعنى المباشر، كما لا يبرر في المقابل الذهاب إلى استنتاج انتصار ردعي حاسم. الأرجح أن المشهد يعكس معادلة أكثر تعقيداً، قوامها نجاح واضح في حماية المجال الجوي الحيوي، يقابله استمرار في تعرض هذا المجال نفسه لمحاولات اختراق متكررة.
وفي الحساب العسكري البارد، فإن المنظومات الدفاعية تُقاس أيضاً بقدرتها على الصمود في الحرب الطويلة، لا في جولة واحدة فقط. لذلك فإن السؤال الأهم بعد هذه الهجمات لا يتعلق فقط بما إذا كانت الصواريخ قد وصلت أو لم تصل، بل بما إذا كانت وتيرة التهديد قابلة للخفض، وما إذا كان الاعتراض الحالي جزءاً من توازن مستقر، أم من استنزاف مفتوح يحتاج إلى غطاء سياسي وإقليمي أوسع.
رسالة السماء والسياسة
لهذا كله، يمكن القول إن هجمات 28 مارس تكشف أن الردع الجوي السعودي قائم وفاعل من ناحية الحماية المباشرة، لكنه ما زال يعمل في بيئة إقليمية شديدة السيولة، حيث لا يكفي النجاح التكتيكي وحده لإنتاج استقرار دائم. فالمعادلة الحالية توحي بأن السعودية استطاعت حماية العاصمة ومنع تحول الهجمات إلى إصابة نوعية داخل الرياض، لكنها لم تصل بعد إلى لحظة تجعل المحاولة نفسها عديمة الجدوى بالكامل في نظر الطرف المهاجم. وبين هذين الحدين تتحرك الصورة كلها، دفاع ناجح، وردع جزئي، وضغط متواصل، واختبار مفتوح لمعنى الأمن الجوي حين تصبح المنطقة كلها في حال اشتباك متقلب.
اقرأ أيضاً: خمس خدمات شحن جديدة تدعم الموانئ السعودية وتواجه تداعيات مضيق هرمز

