أحمد علي
وصل التحذير إلى الهواتف قبل أن يعرف كثيرون ما يجري في السماء، ثم سُمع الانفجار، وارتفع دخان قرب مطار الرياض، وعادت الرسائل بعد وقت لتعلن زوال الخطر. في صباح واحد، دخلت العاصمة التي يزيد سكانها على ثمانية ملايين نسمة في تفاصيل حرب كانت المملكة تحاول إبقاءها خارج حدودها وأيامها.
قال التحالف بقيادة السعودية إنه اعترض صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون نحو الرياض فجر 19 سبتمبر، وأحبط محاولات أخرى استهدفت بيش والطائف وفرسان وينبع. تبعت ذلك بيانات إدانة من عواصم عربية ومجلس التعاون والأمم المتحدة. التضامن مهم، لكنه لا يعترض صاروخاً ثانياً. هنا تبدأ الحسابات الإقليمية التي فتحتها الضربة.
إدانة الهجمات الحوثية على الرياض
تشابهت لغة البيانات في نقاط واضحة. إدانة استهداف المدنيين والبنية التحتية، تأكيد سيادة السعودية، ودعم حقها في اتخاذ ما يلزم لحماية أراضيها. صدرت مواقف من البحرين والكويت ومصر والأردن ولبنان، كما قال مجلس التعاون إن استهداف المملكة يمس أمن المنطقة كله.
هذا التقارب يمنح الرياض غطاءً سياسياً وقانونياً، ويضيق مساحة تقديم الهجوم على أنه فصل يمني داخلي. كما يرسل إلى الحوثيين وإيران أن توسيع النيران نحو المدن السعودية لن يمر من دون كلفة دبلوماسية. لكن البيانات، مهما اشتدت عباراتها، لا تقول من سيوفر صاروخ الاعتراض التالي أو من سيمنع الإطلاق من الأصل.
البيان لا يعترض صاروخاً
تقول تقارير أميركية إن مخزون صواريخ الاعتراض السعودي يتعرض لضغط، في وقت استنزفت فيه الحرب الأوسع مخزونات حلفاء غربيين أيضاً. وطلبت الرياض دعماً في الدفاع الجوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر. لم تعلن أي من هذه الدول، حتى وقت إعداد التقرير، التزاماً عسكرياً مباشراً بحجم الحاجة المتداولة.
الفارق كبير بين التضامن والمساندة التشغيلية. الأولى تُكتب في ساعات، أما الثانية فتحتاج إلى منظومات متوافقة، وأطقم، وذخائر، وقواعد اشتباك، وتبادل بيانات إنذار مبكر. وقد يؤدي نشر دفاعات إضافية إلى تقوية الردع، لكنه يربط الدول المشاركة بالحرب خطوة أعمق مما تسمح به صياغة بيان.
لذلك يجب قراءة الإدانة كمقدمة سياسية، لا كشبكة حماية مكتملة. الامتحان سيكون في نوع المساعدة التي تليها، وفي قدرة الحلفاء على دعم الدفاع من دون تحويل السعودية إلى جبهة جديدة في حرب أوسع.
الدفاع المشترك يغادر الورق ببطء
وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 19 سبتمبر إن بلاده مستعدة للنظر في الاحتياجات العسكرية السعودية، ولا ترى مشكلة في تلبية جوانب تقنية منها. وأضاف أن ترتيبات الأمانة العامة والمقر العسكري للتحالف تقترب من الاكتمال.
هذه أول إشارة عملية إلى أن الهجمات قد تدفع الاتفاق من البناء المؤسسي إلى اختبار الحاجة. لكنها لا تعني أن منظومة تركية انتشرت أو أن قوات باكستانية دخلت المعركة. ما زالت المسافة بين الاستعداد والتنفيذ واسعة، وستحددها طبيعة الطلب السعودي وقرار كل دولة وحدود المخاطرة التي تقبلها.
في المقابل، تستطيع الشراكة أن تبدأ بما هو أقل صخباً وأكثر فائدة، مثل الرادارات وتبادل الإنذار والصيانة وتوحيد التدريب وحماية المنشآت. الردع لا يحتاج دائماً إلى إعلان كبير. أحياناً يكفي أن يعرف المهاجم أن الطريق صار مكشوفاً قبل وصوله.
المعادلة أوسع من جبهة اليمن
ربط فيدان الهجمات بمحاولة جر السعودية إلى الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وقال إن المملكة لا تريد الانخراط فيها. ويقدم هذا التقدير مفتاحاً لفهم حذر الرياض. فهي تحتاج إلى رد يحمي المدن والمنشآت، من دون أن يحول أراضيها إلى منصة لحرب الآخرين أو يغلق باب الوساطة.
كما يمتد الخطر من السماء إلى البحر والطاقة. يسيطر الحوثيون على أجزاء من ساحل البحر الأحمر، ويقترب القتال من ممر باب المندب، فيما تعتمد أسواق النفط على طرق تصدير مضغوطة أصلاً. تراجعت أسهم خليجية بعد الهجوم، ثم استعادت أرامكو جزءاً من خسارتها. السوق لم يعلن ذعراً، لكنه أضاف الخطر إلى فاتورته.
لهذا لا يكفي الخيار العسكري منفرداً. تحتاج السعودية إلى دفاع جوي مستدام، وضغط دولي على مصادر السلاح، ومسار تفاوضي يمر عبر عُمان ومصر وقنوات مع إيران. الردع يمنع تحويل التهدئة إلى ضعف، والدبلوماسية تمنع تحويل الاعتراض الناجح إلى جدول يومي.
وضعت بيانات الإدانة العربية الرياض داخل دائرة تضامن واضحة، وأثبت الاعتراض أن الدفاعات قادرة على صد الخطر الذي وصل إلى العاصمة. غير أن التكرار يستنزف الصاروخ والاقتصاد وأعصاب الناس، حتى حين لا تقع إصابة.
انتهى التحذير على الهواتف بعبارة زوال الخطر. أما الخطر السياسي فلم يزل. سيُقاس وزن البيانات بما تفتحه من دفاع منظم وتهدئة جدية، لا بعدد العواصم التي أصدرتها.
اقرأ أيضاً: بريكس في زمن الحرب.. عن ماذا تبحث السعودية خارج المحاور التقليدية؟

