ليست كل مكالمة هاتفية خبراً عابراً، أحياناً تكشف المكالمة القصيرة شيئاً من شكل الاصطفاف، أو من حدود القلق، أو من طبيعة الأدوار التي تتحرك خلف البيانات الرسمية. هذا ما يجعل الاتصال بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، في 13 حزيران 2026، أكثر من مجاملة دبلوماسية عادية.
البيان السعودي قال إن الجانبين بحثا أحدث التطورات الإقليمية والجهود المبذولة بشأنها. الصياغة مختصرة. لكن بيان الخارجية الباكستانية، كما نقلته وسائل إعلام عدة، وضع المكالمة في سياق أوضح، إذ تحدث عن تقدم في الاتصالات الأمريكية الإيرانية، وعن ترحيب سعودي باكستاني بمسار التهدئة، مع تقدير الرياض للدور الباكستاني في دعم الحوار والوساطة.
هنا تبدأ المسألة. لماذا تحتاج الرياض إلى التنسيق مع إسلام آباد في ملف إيران تحديداً؟ وهل نحن أمام دور باكستاني طارئ بسبب حرب أو أزمة محددة، أم أمام وظيفة إقليمية تتقدم تدريجياً كلما ضاقت المسافة بين الأمن الخليجي والحسابات الآسيوية؟
الرياض وإسلام آباد: اتصال صغير في لحظة كبيرة
جاء الاتصال بعد أشهر من توتر واسع في المنطقة، وبعد أن أصبحت المفاوضات الأمريكية الإيرانية جزءاً مباشراً من معادلة الأمن في الخليج. في 14 حزيران، قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى إطار لإنهاء الحرب، وإن اتفاقاً رسمياً قد يوقع في سويسرا، وفق ما نقلت رويترز ووكالات دولية. وقبل ذلك، كانت باكستان تعرض نفسها بوصفها قناة تسهيل وحوار، لا طرفاً يريد القتال.
هذا التفصيل مهم. باكستان لا تتحرك من فراغ. هي دولة جارة لإيران، وحليف أمني قديم للسعودية، ولها علاقات متشعبة مع واشنطن وبكين ودول الخليج. كما أنها لا تملك ترف الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة. حدودها مع إيران ليست بعيدة، واقتصادها لا يحتمل صدمة جديدة، وعلاقتها بالسعودية لا تسمح لها بالوقوف خارج حسابات الخليج.
لذلك لا تبدو المكالمة السعودية الباكستانية مجرد متابعة لخبر تفاوضي. هي محاولة لضبط المسافة بين ثلاثة أمور حساسة، التهدئة مع إيران، حماية أمن الخليج، ومنع تحويل باكستان إلى طرف عسكري مباشر في أزمة لا تريدها. الرياض تحتاج إلى معرفة ما تقوله إسلام آباد لطهران وواشنطن. وإسلام آباد تحتاج إلى طمأنة الرياض بأنها لا تستخدم الوساطة على حساب أمن المملكة.
قديم متجدد أم قصة جديدة؟
التنسيق السعودي الباكستاني ليس جديداً. العلاقة بين البلدين تمتد عبر الدين، والعمالة، والطاقة، والتمويل، والتعاون العسكري. لكن الجديد هو مستوى التداخل بين الملفات. لم يعد الأمر مجرد تدريب عسكري، أو دعم اقتصادي، أو تنسيق موسمي داخل منظمة التعاون الإسلامي. صار الملف الإيراني نفسه يدخل في صلب العلاقة.
في 17 أيلول 2025، وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي متبادل، نصت البيانات الرسمية على أن أي اعتداء على أحد البلدين يعد اعتداء على كليهما. هذا النص رفع العلاقة من مستوى الشراكة التقليدية إلى مستوى تعهد أمني معلن. وقد قالت مصادر سعودية لرويترز حينها إن الاتفاق ليس رداً على دولة بعينها، بل هو تتويج لسنوات من النقاش، وتطوير لتعاون قديم.
لكن التوقيت لا يختفي. الاتفاق جاء في منطقة تهتز بالحرب في غزة، وبالضربات المتبادلة، وبقلق خليجي متزايد من حدود الضمانات الأمريكية. ثم جاءت أزمة إيران لتضع الاتفاق تحت امتحان سياسي مبكر. ماذا تفعل باكستان إذا تدهورت المواجهة بين إيران والسعودية؟ كيف توازن بين جوارها الإيراني والتزامها السعودي؟ وكيف تمنع أن تتحول الوساطة إلى عبء على صورتها لدى أحد الطرفين؟
هذه هي العقدة. القديم موجود. العلاقات العسكرية والمالية والسياسية ليست وليدة اليوم. لكن الجديد هو أن هذه العلاقة تدخل مرحلة أكثر حساسية، لأن كل كلمة في ملف إيران يمكن أن تقرأ بوصفها موقفاً أمنياً، لا مجرد رأي دبلوماسي.
أما الرياض، فهي لا تبحث عن باكستان بدل العالم كله. لديها قنوات مع واشنطن، ولديها علاقة أعيد ترميمها مع طهران منذ اتفاق آذار 2023 الذي رعته الصين، ولديها اتصالات عربية وخليجية مستمرة. لكن باكستان تمنحها شيئاً مختلفاً، قناة تجمع بين القرب من إيران، والارتباط الدفاعي بالمملكة، والقدرة على الحديث مع واشنطن دون أن تظهر الرياض في واجهة التفاوض المباشر.
لماذا باكستان تحديداً؟
السؤال مشروع. لماذا ليست دولة أوروبية مثلاً؟ لماذا لا تلعب إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا الدور نفسه؟ الجواب لا يتعلق بالكفاءة الدبلوماسية فقط. أوروبا تستطيع أن تتحدث، لكنها لا تمسك بالمفاتيح نفسها. باكستان لها حدود مع إيران، وعلاقة أمنية مع السعودية، وخبرة طويلة في إدارة توازنات صعبة بين الحلفاء المتعارضين. كما أنها دولة نووية ومسلمة وكبيرة ديمغرافياً، وهذا يمنح حضورها وزناً رمزياً وسياسياً لا تملكه دولة أوروبية في هذا الملف بالذات.
الدور الباكستاني لا يعني أن إسلام آباد صارت صاحبة القرار في الخليج. هذا تضخيم غير مفيد. لكنه يعني أن بعض الأزمات لا تمر من العواصم الغربية وحدها. حين تكون إيران طرفاً، والسعودية معنية مباشرة، وواشنطن حاضرة، يصبح وجود وسيط مسلم قريب جغرافياً وسياسياً أكثر فائدة من قناة بعيدة عن حساسية المنطقة.
وهناك مصلحة باكستانية واضحة. كلما اقتربت الحرب من الخليج، ازداد خطر الضغط على باكستان. إذا تعرضت السعودية لهجوم واسع، سيُستدعى الاتفاق الدفاعي. وإذا وقفت باكستان مع الرياض عسكرياً، ستخسر جزءاً من قدرتها على الكلام مع طهران. وإذا ابتعدت عن الرياض، ستضع شراكة استراتيجية واقتصادية عميقة تحت الضغط. لذلك يصبح النجاح في التهدئة مصلحة باكستانية قبل أن يكون خدمة للآخرين.
السعودية بدورها لا تريد أن تُحشر بين خيارين، مواجهة مفتوحة مع إيران أو اعتماد كامل على واشنطن. منذ اتفاق بكين مع طهران عام 2023، حاولت الرياض تخفيف كلفة التوتر المباشر، من دون التخلي عن أدوات الردع. الاتفاق مع باكستان يدخل في هذه المنطقة الرمادية، لا حرب ولا ثقة كاملة. ردع مع فتح خطوط كلام.
الاختبار ليس في المكالمة
مكالمة 13 حزيران لا تصنع سياسة وحدها. لكنها تكشف اتجاهاً. المنطقة لم تعد تدار عبر محور واحد، ولا عبر راع واحد. السعودية تتحدث مع الولايات المتحدة، وتبقي قناة مع إيران، وتبني علاقة دفاعية مع باكستان، وتراقب الصين وروسيا، وتتعامل مع أوروبا حين يلزم. هذه ليست فوضى في الخيارات. هي محاولة لتوزيع المخاطر.
لكن توزيع المخاطر لا يكفي. الاختبار في النتائج. هل يستطيع التنسيق السعودي الباكستاني أن يساعد في منع استهداف الخليج؟ هل يستطيع أن يحمي مسار التهدئة مع إيران من الانهيار؟ هل تستطيع باكستان أن تبقى وسيطاً مقبولاً وهي مرتبطة باتفاق دفاعي مع الرياض؟ وهل تقبل طهران هذا الدور إذا شعرت أنه يميل أكثر من اللازم إلى طرف سعودي أمريكي؟
لا توجد إجابة نهائية الآن. المصادر الرسمية تقول إن هناك تنسيقاً وترحيباً بالتقدم في المحادثات. التقارير الدولية تقول إن اتفاقاً أمريكياً إيرانياً بات قريباً أو أُعلن إطاره. لكن الشرق الأوسط يعرف جيداً أن الاتفاقات على الورق قد تتعثر عند أول ضربة، أو أول تسريب، أو أول اعتراض من طرف غير موجود على الطاولة.
لهذا تبدو المكالمة مهمة، لا لأنها تحل الأزمة، بل لأنها تكشف من يجلس قرب الهاتف حين ترتفع حرارة المنطقة. الرياض لا تريد مفاجآت من الشرق. وإسلام آباد لا تريد أن تدفع ثمن حرب لا تستطيع تحملها. وإيران، من جهتها، تعرف أن طريق التهدئة مع الخليج لا يمر بواشنطن وحدها.
الخلاصة أن الاتصال بين الرياض وإسلام آباد ليس تفصيلاً بروتوكولياً، ولا إعلان محور جديد ضد إيران. هو علامة على أن الأمن الإقليمي صار أكثر تشابكاً. باكستان لم تعد بعيدة عن الخليج، والسعودية لم تعد تقرأ ملف إيران من زاوية واحدة. بينهما مصلحة مشتركة اسمها منع الانفجار. وهذا، في لحظة كهذه، ليس أمراً قليلاً.
الاختبار الحقيقي سيأتي بعد المكالمة. إذا تحولت الاتصالات إلى تهدئة قابلة للحياة، سيظهر أن التنسيق كان جزءاً من إدارة أزمة كبيرة. وإذا انهارت التفاهمات، ستبقى المكالمة دليلاً على أن الجميع كان يعرف حجم الخطر، لكنه لم ينجح في منعه.
اقرأ أيضاً: ميناء ينبع.. محور جديد لتصدير النفط في ظل الحرب الأمريكية – الإيرانية

