قبل أن تصبح الصناديق البلاستيكية جزءاً من مواسم التمور، كان المزارع يحمل الزبيل بيديه، يملؤه بالتمر والمحاصيل وينقله من المزرعة إلى البيت أو السوق. وعاء بسيط من سعف النخيل، لكنه كان موجود في تفاصيل يومية كثيرة، حتى أصبح مع مرور الوقت جزءاً من ذاكرة الحياة الزراعية في القصيم.
اليوم، لم يعد الزبيل يؤدي الدور نفسه الذي كان يؤديه في الماضي، لكن صورته ما زالت حاضرة في الأسواق الشعبية والفعاليات التراثية. وبينما تغيرت أدوات الزراعة والنقل، بقيت طريقة صناعته شاهدة على حرفة اعتمدت بشكل طويل على ما توفره النخلة من سعف وخوص وليف.
من النخلة يبدأ كل شيء
لم تكن صناعة الزبيل تحتاج إلى مواد غريبة أو أدوات معقدة، فالمادة الأساسية كانت موجودة في المزرعة نفسها. يجمع الحرفي سعف النخيل وخوصه وليفه، ثم يبدأ تجهيزها قبل إدخالها في مراحل التضفير والتشكيل. ويحتاج العمل إلى دقة وخبرة حتى تتماسك الأجزاء ويأخذ الزبيل شكله النهائي، ثم تضاف إليه العُرى المصنوعة من ليف النخيل، لتسهيل حمله ونقل ما يوضع بداخله.
بهذه الطريقة، لم تكن النخلة مصدر للتمر فقط، بل وفرت المواد التي تدخل في صناعة أدوات استخدمها المزارع في عمله وحياته اليومية. ويؤكد المزارع صالح الحسين أن صناعة الزبيل تعتمد على مواد محلية مثل سعف النخيل وخوصه وليفه، وأن إنتاجه يمر بعدة مراحل تبدأ بجمع السعف وتنظيفه وتليينه، ثم تضفيره وتشكيله حتى يصل إلى صورته النهائية.
كما لم يكن الزبيل الذي يستخدمه المزارع لحمل التمور مطابق بالضرورة للأنواع المستخدمة في المنزل أو الأسواق، إذ تنوعت أحجامه بحسب الحاجة. فالزبيل الكبير كان أفضل لحمل التمور والمنتجات الزراعية، بينما استخدمت الأحجام المتوسطة والصغيرة في الأعمال اليومية، ما جعله حاضراً في أكثر من جانب من جوانب الحياة القديمة.
خلال موسم الصرام، كان الزبيل جزءاً من رحلة التمر داخل المزرعة، من جمع الثمار إلى نقلها. وبعد ذلك، يمكن أن ينتقل المحصول إلى مراحل أخرى من التخزين والبيع، ليبقى الزبيل مرتبط بسلسلة طويلة تبدأ من النخلة وتنتهي في السوق. وهذا الاستخدام الواسع يفسر سبب ارتباط الزبيل بذاكرة المزارعين، فهو لم يكن قطعة للزينة أو أداة تستخدم في مناسبة محددة، بل جزءاً من العمل نفسه.
اقرأ أيضاً: التمور السعودية.. من منتج زراعي تقليدي إلى قوة تصديرية عالمية
حين تتغير الأدوات وتبقى الحرفة
مع تطور أساليب الزراعة وتغير طرق نقل وتخزين المحاصيل، تراجع الاعتماد على الأدوات التقليدية، ومن بينها الزبيل. وأصبحت المواد الحديثة حاضرة في عمليات نقل التمور والمنتجات الزراعية، وهو تحول طبيعي مع تغير احتياجات العمل.
لكن تراجع الاستخدام اليومي لم يعنِ اختفاء الحرفة. فقد وجد الزبيل الطريق من جديد إلى الأسواق الشعبية والمتاحف والفعاليات التراثية، حيث يعرض اليوم باعتباره نموذجاً لصناعة يدوية ارتبطت ببيئة النخيل، ويستعيد من خلالها الزوار صورة من الحياة الزراعية القديمة.
وهنا تغيرت وظيفة الزبيل من أداة يعتمد عليها المزارع في عمله إلى قطعة تحمل قيمة تراثية، وتعرّف الأجيال الجديدة بطريقة استفاد بها الإنسان من الموارد المتاحة حوله.
حرفة تحكي علاقة الإنسان بالنخلة
قصة الزبيل لا تتعلق بوعاء مصنوع من السعف فقط، بل بعلاقة أوسع بين الإنسان والنخلة في المناطق الزراعية. فالنخلة كانت توفر الغذاء، بينما استُخدمت أجزاء منها في صناعة أدوات مختلفة، ومن بينها الزبيل. ولهذا حافظت هذه الصناعة على حضورها في الذاكرة المحلية حتى بعد تغير الظروف التي جعلتها ضرورية في الحياة اليومية.
وفي القصيم، حيث ارتبطت النخيل ومواسم التمور بجزء مهم من النشاط الزراعي، يحمل الزبيل صورة من تلك المرحلة. وربما لم يعد المزارع اليوم بحاجة إليه بالطريقة نفسها التي كان يحتاجه بها أجداده، لكن وجوده في الأسواق والفعاليات التراثية يعيد التذكير بمهارة كانت تقوم على اليد والخبرة والصبر. وبينما تتغير الأدوات من جيل إلى آخر، يبقى الزبيل شاهد على مرحلة كانت فيها النخلة أكثر من شجرة تنتج التمر، كانت مصدر للمواد التي صنعت منها أدوات العمل والحياة.

