بعد نجاحٍ لافتٍ حققته التجربة الأولى لزراعة شجرة الصندل في جازان، بدأت زراعة هذه الشجرة النادرة ذات القيمة الاقتصادية العالية في الانتشار جنوب المملكة العربية السعودية، وتحديداً في منطقة نجران التي دخلت هذا المجال حديثاً… وبهذا، تصبح المملكة من أوائل دول الشرق الأوسط التي تدخل مجال استزراع الصندل ضمن توجه إستراتيجي نحو الزراعة المستدامة وتنويع مصادر الدخل غير النفطي.
بداية زراعة شجرة الصندل في السعودية
كان فريق علمي مشترك من جامعتي جازان والملك عبد العزيز، قد أجرى على مدار عام كامل دراسات وأبحاث ميدانية مكثفة، بالتعاون مع معهد أبحاث الغابات في كيرالا بالهند وخبراء من ماليزيا، والتي أسفرت عن نتائج مشجعة لزراعة شجرتي العود والصندل في البيئات الجبلية.
وأوصى الفريق البحثي بتوطين زراعتهما في محافظات القطاع الجبلي بمنطقة جازان، كما نصح بمعالجة البذور المستوردة من ماليزيا والهند لتحفيز إنباتها، وذلك ضمن مشروع بدأ في أبريل 2019.
وفي عام 2022، تم إطلاق مبادرة وطنية تحت رعاية هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية، ومن خلالها أُدخِلت شجرة الصندل رسمياً إلى المملكة، حيث جرى نقل شتلات مختارة بعناية إلى بعض المواقع في الجنوب، بعد التأكد من أن المناخ المحلي مناسب لنموها، إذ يتشابه إلى حد كبير مع بيئة الغابات الاستوائية التي تنمو فيها الشجرة طبيعياً.
وانطلقت التجربة بزراعة 150 شتلة في جبال جازان، مع استخدام تقنيات زراعية حديثة تشمل أنظمة الري الذكي ومراقبة التربة والرطوبة، ومع النجاح المبكر للمشروع، توسعت التجربة في نهاية العام الماضي لتصل إلى نجران، كجزء من المرحلة الثالثة لمشروع تطوير المناطق الجبلية والذي يشمل زراعة أكثر من 200 شتلة موزعة على ثلاث مزارع تجريبية.
جدير بالإشارة أن خشب الصندل يعدّ من أغلى الأخشاب في العالم وأندرها، وتفوق أسعار بعض أنواعه آلاف الدولارات للكيلوغرام الواحد، وهو ثاني أغلى نوع من الأخشاب بعد الخشب الأسود الأفريقي، ويستخدم خشب الصندل في صناعة الزيوت العطرية والبخور الفاخر.
اقرأ أيضاً: الزعفران وجهة السعودية لزراعة الذهب الأحمر
الزراعة المستدامة في السعودية
تمثل الزراعة المستدامة عنصراً أساسياً في بناء مستقبل المملكة إذ تسهم في تحقيق الأمن الغذائي، وتضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة في هذا الصدد، إلّا أنها تواجه تحديات بيئية واقتصادية عدة، أهمها ندرة المياه، فالسعودية تعتمد بشكل رئيسي على المياه الجوفية، وهي مورد غير متجدد، ما يجعل من الضروري تحسين إدارة استخدام المياه بشكل أفضل.
كما أن التغيرات المناخية تعدّ تحدياً صعباً، إذ تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار، ما يضع ضغوطاً إضافية على الأراضي الزراعية والموارد المتاحة، ومع اقتراب عدد سكان المملكة من 40 مليون نسمة بحلول عام 2030، يرتفع الطلب على الغذاء، وهو ما يتطلب تطوير القطاع الزراعي لمواكبة الزيادة السكانية.
ومع كل هذه الصعوبات، لا تقف السعودية مكتوفة اليدين، بل تتبنى منذ سنوات ولحد اليوم رؤية واضحة لتطوير الزراعة بطريقة مستدامة. مثل استخدام تقنيات الري الحديثة التي تقلل من الهدر وتزيد كفاءة الاستهلاك، والاستثمار في البحث العلمي لتطوير محاصيل أكثر تحملاً للجفاف والحرارة، مثل القمح والذرة والشعير، وقد أثمرت هذه الجهود عن إنتاج أصناف جديدة تستطيع النمو في ظروف مناخية صعبة، بفضل استخدام تقنيات الهندسة الوراثية لتحسين قدرتها على التكيّف.
بدأت النتائج الإيجابية بالظهور منذ البدايات، فعلى سبيل المثال انخفض استهلاك المياه في القطاع الزراعي بنسبة وصلت إلى 20% منذ عام 2015، كما شهد إنتاج المحاصيل الأساسية نمواً ملحوظاً.
إلى جانب ذلك، أولت المملكة اهتماماً خاصاً بالبحث والتطوير الزراعي باعتباره أهم لتحقيق أهدافها في الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي، وفي عام 2022، أعلنت الحكومة عن خطة طموحة لزيادة الاستثمار في هذا المجال بنسبة 50% بحلول عام 2025.
أما مبادرة “السعودية الخضراء”، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فهي واحدة من أهم المبادرات، وتهدف إلى زراعة 10 مليارات شجرة في أنحاء المملكة المختلفة، وتشكل جزءاً من رؤية شاملة لتحسين جودة الحياة، والتصدي لتحديات المناخ، وتعزيز التنوع البيئي.
ومع وجود أكثر من ألفي نوع نباتي في المملكة، منها غابات المانغروف الساحلية، تتطلع السعودية إلى زراعة ما يزيد عن 600 مليون شجرة بحلول عام 2030، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في مجال الاستدامة البيئية.
اقرأ أيضاً: البن الجازاني أفخم أنواع القهوة في العالم
ما أهمية الزراعة المستدامة؟
الزراعة المستدامة مهمة لأنها تسعى لتحقيق توازن بين إنتاج الطعام الذي يحتاجه الناس، وبين الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.
في بدايات القرن العشرين، كان المزارعون يركّزون على زراعة أكبر قدر ممكن من الطعام، فقاموا بزيادة أعداد الأراضي الزراعية، ثم بدأت “الثورة الخضراء” في ستينيات القرن الماضي، وهي فترة بدأت فيها استخدام تقنيات حديثة مثل المبيدات والأسمدة وأنظمة الري المتطورة، ما ساعد ملايين المزارعين حول العالم على زيادة إنتاجهم ومنع حدوث مجاعات.
لكن بعد زمن أدرك كثير من الناس أن استخدام كميات كبيرة من المواد الكيميائية قد يضرّ البيئة ويؤثر على صحة الإنسان، من هنا ظهرت أهمية الزراعة المستدامة، وهي طريقة زراعة تهدف إلى إنتاج الطعام بطريقة تحافظ على البيئة وتقلّل من الضرر الناتج عن استخدام المواد الكيميائية، كما تبقي التربة والمياه صالحة للاستخدام على المدى الطويل.
ويساعد هذا النوع من الزراعة كذلك على مواجهة التغيّرات المناخية مثل الجفاف أو الفيضانات، ويجعل المزارع أكثر قدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة.
وبحلول عام 2030، يسعى العالم، ومنه السعودية، إلى تطبيق ممارسات زراعية مستدامة تحافظ على الطبيعة، وتزيد من الإنتاج، وتُوفّر الغذاء للناس، دون أن يتم إنهاك موارد الأرض.
ختاماً، مع المبادرات والخطوات المهمة التي تتخذها السعودية في مجال الزراعة المستدامة، فهي تقترب يوماً بعد يوم من أن تصبح نموذجاً إقليمياً وعالمياً في هذا المجال، وقوة مؤثرة في تحقيق الأمن الغذائي على المستوى المحلي والعالمي.
اقرأ أيضاً: تقنية مبتكرة من «كاوست» تفتح آفاقاً جديدة للزراعة في المناطق الحارة

