على مدى أكثر من عقدين، ظل موضوع التوحد في العالم العربي محاطاً بسوء الفهم وقلة الوعي، وهو الأمر المستمر حتى اليوم، وينعكس ذلك في الصورة النمطية التي ترسمها لذوي التوحد الأعمال الفنية والمسلسلات. في هذا السياق، ظهرت أريج جميل سليمان المعلم لتكون أحد الذين يعلّون الصوت المختلف، إذ تجمع بين حضور ميداني ناشط ضمن سياق العمل المؤسسي، وقدرة على ترجمة قضايا ذوي اضطراب طيف التوحد إلى لغة السياسات العامة والمبادرات العملية.
لا تأتي مسيرة أريج من فراغ، فهي تحمل خلفية علمية في علم النفس والإدارة، استثمرتها منذ بداياتها المهنية عام 2005 حين أسست القسم النفسي في مركز الملك سلمان لأمراض الكلى التابع لوزارة الصحة، حيث عملت تسع سنوات واكتسبت خبرة مباشرة في التعامل مع الأفراد والأسر. لاحقاً، وفي عام 2014، أطلقت أربعة مشاريع تجارية متخصصة في الوعي النفسي وجودة الحياة ضمن مجموعة «نفوس»، التي سرعان ما لفتت الأنظار محلياً ودولياً، حتى وصلت إلى شاشة CNN، ومثّلت المملكة ضمن وفود نسائية قيادية في هولندا والخليج. هذه الخلفية المتنوعة جعلت تجربتها في قيادة العمل المؤسسي للتوحد أكثر ثراءً وشمولاً.

منذ عام 2020، تتولى أريج المعلم منصب الأمينة العامة لجمعية أسر التوحد – صندوق التوحد الوقفي، وهو منصب يتطلب مزيجاً من الإدارة الصارمة والفهم الإنساني العميق. بالنسبة لها، هذا المنصب هو مساحة لصياغة مشروع وطني متكامل. تحت قيادتها، أصبحت الجمعية منصة حيوية تجمع بين التوعية المجتمعية، وبناء البرامج التدريبية، وحشد الموارد، وإيجاد روابط مؤسسية بين القطاعات الثلاثة: الحكومي، والخاص، وغير الربحي.
كما تشغل أريج المعلم رئاسة اللجنة التنسيقية لجمعيات التوحد، وعضوية المجلس الاستشاري لخدمات التوحد، ورئاسة اللجنة الوطنية لمراكز التوحد في اتحاد الغرف السعودية، ما جعلها في قلب شبكات صنع القرار الخاصة بذوي التوحد في المملكة. هذا الحضور المتعدد مكّنها من رؤية شاملة وفهم التحديات من زوايا مختلفة، خصوصاً وأنها ترى – انطلاقاً من خبرتها الطويلة – أن العقبات ليست سوى «تحديات طبيعية» في مسيرة أي عمل جاد، وأن تجاوزها يتطلب إصراراً وتركيزاً على الهدف.

أريج المعلم: إنجازات بحجم الرؤية
تحت إدارتها، حصلت الجمعية على جائزة التميز الدولية في المسؤولية الاجتماعية في لندن عن مشروع «قافلة طيف عزيز»، وهو مشروع ميداني متنقل هدفه إيصال الخدمات والوعي إلى مناطق مختلفة من المملكة. كما حققت الجمعية الدرجة الكاملة في مقاييس الحوكمة الصادرة عن المركز الوطني للقطاع غير الربحي، وهو إنجاز إداري وتنظيمي يعكس التزاماً بالشفافية والمساءلة.
لم تتوقف المبادرات عند هذا الحد، فقد أطلقت إدارة أريج حملات نوعية مثل «#لغز_التوحد»، التي دخلت بها الجمعية موسوعة غينيس للأرقام القياسية عبر أكبر عدد توقيعات على «أحجية الصور المقطوعة». هذه الحملة لم تكن مجرد حدث رمزي، بل رسالة بأن التوحد لغز يمكن فهمه وحله بالتعاون المجتمعي. كذلك قادت مبادرة «ريشة طيف»، حيث جمع مزاد فني للوحات مبدعين من ذوي التوحد نحو 6.5 مليون ريال، خُصصت لدعم أول مشروع تنموي لموهوبين من ذوي التوحد في المملكة.
«التكريمات كانت بمثابة الأيدي التي تصفق لي وتشجعني لاستكمال المسيرة والتغلب على التحديات. ريادة الاعمال منهج ممتع فيه تعلمت وساعدت»

وفي وصفها لهذا النجاح، قالت: «التمكين يبدأ حين نؤمن بقدرات الأشخاص، لا حين نتحدث عن إعاقتهم». فهي صاحبة فلسفة واضحة، تصفها بأنها «التحول من الرعاية إلى التمكين». فهي ترى أن اضطراب طيف التوحد ليس مجرد حالة تحتاج لعلاج أو دعم، بل فرصة لاكتشاف أنماط مختلفة من التفكير والإبداع. وكما تقول: «اضطراب طيف التوحد ليس إعاقة، وإنما قدرة من نوع مختلف».
الشيء اللافت أن هذه الفلسفة لا تبقى على الورق، بل تتجسد في كل مشروع تتبناه: من البرامج التدريبية للأسر، إلى المبادرات الفنية والمسرحية. ففي مبادرة «صالة 4» المسرحية، أتيحت الفرصة لشباب من ذوي التوحد للصعود على خشبة المسرح وعرض مواهبهم أمام الجمهور، مؤكدة: «المسرح يعكس المجتمع… وهنا نريد أن نريه صورته الأكثر شمولاً».

قيادية بأسلوب «هجين»
ما يميز أريج أنها لا تقود فريقها من المكتب فقط، بل تتواجد ميدانياً معهم: تحضر الفعاليات، وتشارك الأسر والطلاب وأعضاء الفرق المختلفة في الحوار المباشر. هذا القرب جعلها تكسب ثقة المستفيدين والمتعاونين، وحوّل الجمعية إلى بيت مفتوح لكل من يبحث عن الدعم أو يسعى للمساهمة. وربما يعود ذلك إلى قناعة متجذّرة لديها منذ بداياتها أن «الفريق قبل الفرد»، وأن القيادة الحقيقية تعني أن تعكس التجربة الإنسانية بقدر ما تعكس الإنجاز المؤسسي.
هي ابنة وأم وزوجة، وتقول إن هذه الأدوار الخاصة هي «رسالة من نوع آخر»، وإنها استثمرت خبراتها الحياتية كما استثمرت خبراتها المهنية في خدمة رسالتها. الدعم العائلي لعب دوراً محورياً في مسيرتها: من والد علّمها الاعتماد على الذات، إلى أم غمرتها بالدعاء، وزوج ظل داعماً لمسيرتها، وأبناء يمثلون دافعها الأكبر بابتساماتهم. هذه الخلفية الشخصية تعطي لبصمتها القيادية بُعداً إنسانياً واضحاً.

تقول أريج: «حين تؤمن بالفكرة، ستجد نفسك تطرق كل الأبواب حتى تصل». واليوم، ينظر إليها الكثيرون كنموذج لقائد اجتماعي يوازن بين الفعل الميداني والتأثير في السياسات، وبين العمل المحلي والحضور الدولي.
إنجازاتها ليست حصيلة عمل فردي فقط، بل نتيجة بناء منظومة تعمل بتناغم. قصتها تثبت أن الالتزام بالقضية، بالتزامن مع إدارة فريق بشكل فعّال، يمكن أن يحول التحديات إلى فرص، ويمنح الأمل لأسر كانت تشعر بالعزلة أو العجز.
اقرأ أيضاً: فوزية المطيري: الشريكة المؤسسة في “منصة إيفنت 360 بودكاست”

