مجتمعات صحية أكثر استدامة، هذا هو الهدف الرئيسي الذي تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيقه بالالتزام برؤية 2030، وهذا ما يتجسد بارتفاع عدد مدنها الصحية المُعتمدة إلى 21 مدينةً، بعد اعتماد 4 مدن في منطقة عسير.
أثر هذا الإنجاز العالمي يتخطى الحدود الصحية، فهو يتقاطع مع مساعي المملكة في تحسين جودة حياة ساكنيها، بالتزامن مع التخطيط الحضري والتنمية، بمعنى آخر يمكن القول إن ارتفاع عدد المدن السعودية الصحية مؤشر على الالتزام بأهداف تنموية حضرية مستدامة.
وبما أن المملكة تتصدر دول منطقة شرق المتوسط وشمال أفريقيا من حيث عدد المدن الصحية المعتمدة، فإن قراءة هذا الإنجاز تتعدى حدود الأرقام الجافة، لتسلط الضوء على تكامل الجهود المؤسساتية، وذلك من خلال التعاون بين الجهات الحكومية والقطاعات المختلفة لاعتماد الصحة كنهج تنموي.
ولا يُقصد بالمدينة الصحية تميزها من جانب المستشفيات والخدمات الطبية فقط، فالمدن الصحية في السعودية التي يتم اعتمادها عالمياً تستوفي معايير أوسع تتعلق بالبيئة والصحة العامة والتغذية، إلى جانب السلامة والمشاركة المجتمعية، أي أن لديها مقومات داعمة لصحة السكان وجودة حياتهم.
المدن الصحية في السعودية ترتفع إلى 21
ارتفع عدد المدن الصحية في السعودية إلى 21 مدينةً معتمدةً من قبل منظمة الصحة العالمية، وذلك بعد إضافة أبها وطريب مع محايل عسير ومدينة الملك خالد الجامعية إلى القائمة، والجدير بالذكر أن العدد كان 16 مدينةً في عام 2025، وارتفع بعد اعتماد حائل في أبريل 2026 إلى 17.
هذا العدد المتزايد وخلال فترة قصيرة إن دلّ على شيء فهو مؤشر على الاستمرار بمسار محدد، يستهدف تكوين بيئات تدعم صحة السكان وتعمل على مبدأ الوقاية وتحسين جودة الحياة، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030.
ما هي المدينة الصحية؟
بحسب بيانات وزارة الصحة، المدينة الصحية هي التي تعمل على تعزيز صحة ساكنيها وجودة حياتهم عبر توفير مقومات محددة، منها خلق بيئة نظيفة وتوفير خدمات صحية شاملة ومتكاملة، إلى جانب بناء مشاركات مجتمعية فعّالة، بما يتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية.
ووفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية، فإن المدينة الصحية هي التي تسعى جاهدةً لبناء وتعزيز بيئات مادية واجتماعية، بالإضافة إلى توسيع موارد المجتمع ليتمكن السكان من دعم بعضهم بعضاً في أداء وظائف الحياة وتحقيق أقصى إمكاناتهم.
غير أن المدن الصحية تقود التغيير نحو الأفضل من خلال معالجة أوجه عدم المساواة، إلى جانب تعزيز الحوكمة والقيادة في مجالات الصحة والرفاه، فضلاً عن تشجيع الابتكار وتبادل المعرفة بين المدن.
ويتطلب اعتماد المدينة كمدينة صحية تحقيق 80 معياراً تغطي تسعة محاور رئيسية، منها خدمات الرعاية الصحية ومجال التعليم إضافة إلى التعاون والتنسيق المتكامل بين القطاعات، وتقديم الدعم للمشاريع الصغيرة، فضلاً عن تنمية القدرات والمهارات، وجهوزية الطوارئ مع سلامة الهواء والأغذية، وغيرها من المحاور التي تثبت فعالية الجهود المبذولة في المدينة للسعي نحو تحسين جودة حياة مواطنيها ورفع معاييرها الصحية.
الصحة في جميع السياسات
في ضوء ما سبق، يُعدّ الإنجاز السعودي الجديد دلالةً على نجاح المملكة في إضافة مبدأ تعزيز الصحة إلى مختلف جوانب التخطيط الحضري والحوكمة، وهذا مؤشر على فعالية النهج القائم على مبدأ “الصحة في جميع السياسات”، الذي عزز مكانة السعودية بوصفها دولةً رائدةً في مجال بناء البيئات الحضرية المستدامة، والتي تركز بدورها على الصحة العامة.
ويأتي مبدأ الصحة في جميع السياسات انطلاقاً من أهمية التعاون بين مختلف الجهات، وكما يقول المثل الشعبي “اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق”، فالبيئة تحتاج إلى جهات بلدية وبيئية والتعليم يحتاج إلى المؤسسات التعليمية، كذلك السلامة تتطلب تعاون جهات متعددة، ومن البديهي أن فعالية المشاركة المجتمعية لا يمكن تحقيقها دون حضور ومساهمة المجتمع في تنفيذ المبادرات الصحية.
برنامج المدن الصحية في السعودية الأول إقليمياً
لا شك أن المملكة العربية السعودية تطور أدواتها باستمرار لتعزيز حضورها ضمن المؤشرات العالمية، فبينما لا يزال صدى تصنيف عدة مدن منها كمدن ذكية يتردد دولياً، تحضر المملكة اليوم كرائدة على الساحة الإقليمية الصحية، ومن الأدوات التي تستخدمها لذلك برنامج “المدن الصحية” الذي يتبع لوزارة الصحة.
وإلى ذلك، تأتي أهمية حضور المدن الصحية في السعودية على ساحة الاعتماد العالمي، من ريادتها الإقليمية بهذا المجال، فبرنامج المدن الصحية بوزارة الصحة هو أول مركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية إقليمياً والرابع على المستوى العالمي، ويقوم على مبدأ التعاون الفعال مع مختلف الجهات الحكومية لتعزيز مفهوم الصحة وتبنيه كمسؤولية مشتركة تجمع القطاعات المختلفة.
انطلاقاً مما سبق، يبدو أن المملكة العربية السعودية تتجه نحو توسيع نموذجها الصحي المُعتمد، فهي تنقل مفهوم الصحة التقليدي إلى تبني نهج تنموي واسع، يقوم على الوقاية وجودة الحياة وتكامل المؤسسات، بعيداً عن الدور التقليدي الذي ينحصر بالمنشآت والخدمات العلاجية، فهو يجعل الصحة العامة في قائمة أولويات التخطيط الحضري والتنمية.
اقرأ أيضاً: اعتماد مدينة الخبر كمدينة صحية بحسب منظمة الصحة العالمية

