يشكل الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية محور رؤية 2030، فقد بات من العوامل الرئيسية التي تدفع النمو والابتكار وتعزز من التنافسية في مختلف القطاعات عالمياً، لا سيما وأن المملكة وضعتِ التحول الرقمي في صلب الإصلاحات سواء كانت اقتصاديةً أو اجتماعيةً.
وخلال سنوات قليلة، تمكنتِ السعودية من بناء اقتصاد رقمي يُقدر بنحو 495 مليار ريال تقريباً في 2024، أي ما يعادل 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً بيانات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات.
وبحسب أحدث المعطيات الرسمية المتاحة، فإن نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي السعودي ارتفعت إلى نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك نجحتِ المملكة في كتابة فصل من أسرع فصول التحول الرقمي في العالم، حيث أسست أيضاً بنيةً تحتيةً رقميةً منافسةً، فقد جاءت في المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات وتقنية المعلومات لعام 2025، وفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات.
غير أنها تعمل على تطوير منظومة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة، وهذا ما ساعدها في جذب الاستثمارات العالمية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
والآن يمكن القول إن المملكة تنتقل إلى مرحلة جديدة تتمحور حول بناء البيئة التي تجمع الشركات والمواهب والاستثمارات والابتكار، وهذا ما يتجلى بمشروع الحي الرقمي في الرياض، الذي انطلق بدوره من هدف طموح يتمثل بتحويل العاصمة إلى واحدة من أفضل 10 مناطق تقنية على المستوى العالمي.
إطلاق الحي الرقمي في الرياض
يبدو أن السعودية تتجه نحو تعزيز مكانتها التقنية عالمياً، مستفيدةً من التحول الرقمي لتحسين جودة الخدمات للمواطنين وتسهيل وصولهم إليها، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتنمية القطاعات الاقتصادية الجديدة، وهذا ما يصبّ ضمن جهود المملكة لتحسين جودة حياة ساكنيها، إلى جانب دعم توجهاتها في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
بالتالي، يأتي إعلان مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، إطلاق الحي الرقمي في الرياض كخطوة استراتيجية تحتضن الشركات والمواهب والاستثمارات التقنية، فبحسب الوصف الرسمي تُعد هذه المبادرة من أهم المبادرات الاستراتيجية، لتحويل العاصمة إلى مركز عالمي للمواهب والإبداع الرقمي.
وتتمحور أهدافها حول استقطاب الكفاءات التقنية عالمياً، وإنشاء مركز دولي يحتضن المواهب إلى جانب ريادة الأعمال، للوصول في نهاية المطاف إلى بناء اقتصاد معرفي متماسك يقوم على القيادة الرقمية والابتكار.
لجذب الشركات والاستثمارات والمواهب، تعتمد مبادرة الحي الرقمي في الرياض على الحوافز المُقدمة للشركات بالإضافة إلى المنظومة التنظيمية المرنة وما أسسته من بنية تحتية رقمية متطورة، بهدف دعم الاقتصاد الرقمي والمنافسة بمجال التكنولوجيا على مستوى العالم.
6 مجالات وفوائد تتعدى الحدود المحلية
يركز مشروع الحي الرقمي في الرياض على 6 مجالات تقنية رئيسية، وهي كما يلي:
- الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة
- الأمن السيبراني
- الحوسبة والخدمات السحابية
- إنترنت الأشياء
- تقنية سلاسل الكتل
- الروبوتات والطائرات بدون طيار
وبحسب ما ذكرت الهيئة الملكية لمدينة الرياض، فإن هذه الجوانب الستة تحظى بالحصة العظمى من الاستثمارات العالمية الإجمالية في شركات الابتكار التقني، بالتالي لها أهمية تتزايد يوماً بعد يوم لما تقدمه من دفعة قوية لعجلة النمو والتطور التقني في المستقبل.
وبلغة الأرقام نتحدث، وصلت قيمة استثمارات رأس المال الجريء في شركات الذكاء الاصطناعي إلى نحو 258.7 مليار دولار خلال 2025، أي نحو 61% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء عالمياً، وفق ما جاء في التقرير الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
علاوة على ذلك، فإن التنافس العالمي على بناء تجمعات تقنية تحتضن المستثمرين والمهارات والإبداع والشركات، يجعل من المبادرة الجديدة ذات بعد استراتيجي تكنولوجي، لجذب رؤوس الأموال والكفاءات والشركات التقنية، مما يدعم الاقتصاد الرقمي والمعرفي ضمن المملكة العربية السعودية، ويعزز من صورتها الذهنية في الخارج.
غير أن مشروع الحي الرقمي في الرياض، يمكن أن يحقق عدة فوائد اقتصادية والتي تعود بشكل مباشر أو غير مباشر على سكان المملكة، فبحسب توقعات الهيئة يؤدي المشروع إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين جودة الحياة، بالإضافة إلى دعم الابتكار التقني وتعزيز كفاءة الخدمات المُقدمة، فضلاً عن دعم الشركات الناشئة والسريعة وتمكينها مع توفير فرص عمل تقنية.
الرياض تدخل سباق وادي السيليكون!!
المنافسة التي تعززها الرياض تتعدى الحدود المحلية، فهي تنافس المناطق التقنية، فكما ذكرنا في سطورنا السابقة تتسابق المدن العالمية نحو بناء تجمعات تحتضن المواهب والابتكار والاستثمارات، والتي يُعدّ أشهرها تجمع “وادي السيليكون” في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، والذي انبثقت عنه عدة شركات تقنية هي الأكبر على مستوى العالم.
إلى جانب وادي السيليكون، توجد عدة تجمعات أثبتت نجاحها في التحول إلى مركز عالمي للمواهب ورؤوس المال الجريئة واستثمارات الابتكار التقني، منها تجمع “بانجيو تكنولوجي فالي” في كوريا الجنوبية، والذي يشتهر باسم وادي السيليكون الكوري.
وبما أن المبادرة السعودية الجديدة تستهدف جعل العاصمة ضمن أفضل 10 مناطق تقنية عالمياً، فلا شك أن هذه التجارب الدولية الناجحة تعدّ شرارةً للانطلاقة والمنافسة، حيث تثبت اليوم أن الاقتصاد المعرفي والتقني أساس أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي، كذلك يشكل دفعاً حقيقياً للنمو والازدهار على مختلف الأصعدة.
إذاً، يبدو أن المملكة العربية السعودية تتجه نحو إنتاج التكنولوجيا وجذب استثماراتها ومواهبها، فالمشروع الجديد يتعدى حدود احتضان الشركات التقنية، وفي حال نجاحه فإنه سيفتح أبواب النمو أمام الوظائف والاستثمارات والقطاعات التقنية الناشئة في المملكة عموماً وليس في الرياض فقط.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد الرقمي السعودي.. محرك رؤية 2030

