لم تعد السياحة في السعودية قطاعاً مكملاً للنشاط الاقتصادي، بل أصبحت واحدة من أبرز أدوات التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة خلال السنوات الأخيرة. ومع تسارع تنفيذ المشروعات السياحية وتوسع البنية التحتية وتنوع الوجهات، تتجه السعودية إلى تعزيز حضورها على خريطة السياحة العالمية، مدفوعة باستثمارات طويلة الأجل تستهدف بناء قطاع أكثر قدرة على النمو والاستمرار.
وتأتي هذه التحولات في وقت تشير فيه التوقعات إلى استمرار توسع قطاع السفر والسياحة في المملكة خلال العقد المقبل، بما يعزز دوره في تنويع مصادر الدخل ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني.
السياحة في السعودية تساهم في 14.1% من الناتج المحلي
أظهر أحدث تقرير للاتجاهات العالمية الصادر عن المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) أن قطاع السفر والسياحة في السعودية يمثل نحو 14.1% من الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر على اتساع الوزن الاقتصادي للقطاع داخل المملكة.
ولم يقتصر النمو على النشاط السياحي نفسه، إذ ارتفعت استثمارات السفر والسياحة بنسبة 19.4% خلال عام 2025، مدفوعة بالإصلاحات التي عملت المملكة من خلالها على تعزيز بيئة الاستثمار، إلى جانب المشروعات السياحية الكبرى التي يجري تطويرها في مناطق مختلفة. ويعكس هذا النمو تحول السياحة من نشاط يعتمد بصورة أساسية على السياحة الداخلية إلى قطاع اقتصادي أكثر تنوعاً، يستهدف جذب الزوار من الأسواق الدولية إلى جانب تنشيط حركة السفر داخل المملكة.
إنفاق الزوار مرشح للتضاعف
وتشير توقعات المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن إنفاق الزوار الدوليين في السعودية قد يتضاعف أكثر من مرتين خلال العقد المقبل، مع استمرار الاستثمار في الوجهات السياحية والبنية التحتية وشبكات النقل وتجارب الزوار. ويعني ذلك أن العوائد الاقتصادية المرتبطة بالسياحة قد تشهد نمواً متواصلاً خلال السنوات القادمة، خصوصاً مع توسع قدرة المملكة على استقبال أعداد أكبر من السياح وتطوير منتجات سياحية متنوعة.
ولا يرتبط هذا النمو بزيادة أعداد الزوار فقط، وإنما أيضاً بزيادة متوسط الإنفاق على الإقامة والنقل والمطاعم والتجارب والأنشطة الترفيهية، وهي قطاعات تستفيد بصورة مباشرة وغير مباشرة من توسع الحركة السياحية.
اقرأ أيضاً: الطائف تفتح جبالها لمحبي الهايكنج.. رحلة بين الضباب والطبيعة
مشروعات كبرى تعيد رسم الخريطة
تستند الاستراتيجية السياحية السعودية إلى مجموعة واسعة من المشروعات الكبرى التي تستهدف تطوير وجهات جديدة ورفع مستوى الخدمات السياحية. وتشمل هذه الجهود تطوير المواقع الطبيعية والتراثية، وإنشاء مرافق فندقية وترفيهية، وتوسيع خيارات الإقامة، إلى جانب الاستثمار في شبكات النقل التي تربط الوجهات السياحية بالمدن والمطارات.
كما تسهم الفعاليات والمواسم الثقافية والترفيهية والرياضية في تعزيز جاذبية المملكة، من خلال تقديم تجارب متنوعة تستهدف شرائح مختلفة من الزوار.
يأتي التوسع السياحي في إطار التحولات الاقتصادية التي تستهدف تقليل الاعتماد على النفط وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد السعودي. ومن هذا المنظور، أصبحت السياحة إحدى الأدوات الرئيسية لتنويع مصادر النمو، نظراً لقدرتها على خلق فرص استثمارية ووظائف جديدة، وتحفيز قطاعات مرتبطة بها مثل النقل والضيافة والتجزئة والمطاعم والترفيه.
كما أن نمو السياحة يفتح المجال أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال للاستفادة من الطلب المتزايد على الخدمات والمنتجات السياحية، ما يجعل تأثير القطاع يتجاوز حدود الفنادق والوجهات السياحية إلى قطاعات اقتصادية أوسع.
حتى 2036.. رهان على السياحة
يرى المجلس العالمي للسفر والسياحة أن الاستثمارات طويلة الأجل التي تضخها المملكة في القطاع تمنحه قدرة أكبر على مواجهة التحديات قصيرة الأجل، وتساعد على الحفاظ على مسار النمو خلال السنوات المقبلة. وتبرز أهمية هذا النوع من الاستثمار في بناء منظومة سياحية متكاملة، لا تعتمد على المواسم والفعاليات فقط، وإنما تمتلك بنية تحتية ومنتجات ووجهات قادرة على جذب الزوار على مدار العام.
مع امتداد التوقعات حتى عام 2036، تبدو السعودية أمام مرحلة جديدة من المنافسة السياحية في المنطقة، خصوصاً مع استمرار تطوير الوجهات ورفع الطاقة الاستيعابية وتحسين تجربة الزائر. ويشير نمو الاستثمارات وارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى أن السياحة أصبحت جزءاً أساسياً من التحول الاقتصادي السعودي، بينما يمثل التوسع المتوقع في إنفاق الزوار الدوليين أحد أبرز مؤشرات العائد المنتظر من هذه الاستراتيجية.
وبين الاستثمارات الكبرى، وتنوع الوجهات، وتطوير البنية التحتية، تستعد السعودية لترسيخ موقعها كإحدى أبرز القوى السياحية في الشرق الأوسط، في تحول قد يجعل القطاع أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد غير النفطي خلال العقد المقبل.

