تستعد المملكة العربية السعودية لاستقبال حجاج بيت الله الحرام عبر إصدار مجموعة من التعليمات والإجراءات الخاصة بضبط حركة الدخول إلى مكة المكرمة، وتعزيز سلامة الحجاج، ورفع كفاءة إدارة الحشود داخل المشاعر المقدسة. وتأتي هذه الخطوات ضمن منظومة متكاملة تعمل عليها وزارة الداخلية كل عام، لكنها هذا العام ستكون أكثر تشديداً وتنظيماً مع توسع الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية والتصاريح الرقمية.
حيث ركزت السلطات على تنظيم الدخول والخروج من مكة المكرمة، وضبط أوضاع المقيمين والزائرين، إلى جانب تنظيم تأشيرات العمرة وإجراءات السفر، في محاولة لتقليل الازدحام ومنع المخالفات التي قد تؤثر على سلامة الحجاج أو تعيق سير المناسك.
تنظيم الدخول إلى مكة المكرمة والتصاريح الجديدة
أبرز ما أعلنته وزارة الداخلية هو اشتراط حصول المقيمين الراغبين في دخول مكة المكرمة على تصاريح رسمية صادرة من الجهات المختصة، وذلك اعتباراً من يوم الثلاثاء الذي يأتي بعد الإعلان. ويهدف هذا القرار إلى تنظيم الدخول بشكل صارم خلال فترة الذروة التي تشهد توافد أعداد كبيرة من الحجاج والمعتمرين والعاملين في المشاعر.
وبحسب التعليمات الجديدة، يُمنع دخول أي مقيم لا يحمل تصريحاً نظامياً، مع استثناء فئات محددة فقط، تشمل: من يحمل هوية مقيم صادرة من مكة المكرمة، ومن لديه تصريح حج رسمي، ومن لديه تصريح عمل داخل المشاعر المقدسة.
كما تم تحديد آخر موعد لمغادرة القادمين بتأشيرة عمرة ليكون يوم 18 أبريل، وهو ما يعني بدء مرحلة تقليص الوجود غير المرتبط مباشرة بالحج. كما تم إيقاف إصدار تصاريح العمرة عبر منصة “نسك” حتى نهاية مايو، ويشمل ذلك المواطنين والمقيمين وحاملي التأشيرات المختلفة، في خطوة تهدف إلى تخصيص الفترة القادمة بالكامل لمتطلبات موسم الحج.
التحول الرقمي في التصاريح واستعدادات الطيران والحركة
مع الإعلان السابق عن الخطوات التنظيمية لموسم الحج، أعلنت المديرية العامة للجوازات بدء استقبال طلبات تصاريح الدخول إلى مكة إلكترونياً عبر منصات رقمية مثل “أبشر” و”مقيم”، وذلك دون الحاجة إلى مراجعة مقرات إدارات الجوازات.
وتشمل هذه الخدمات فئات متعددة، منها: مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي، وحاملو الإقامة المميزة، والمستثمرون، بالإضافة إلى زوجات المواطنين غير السعوديات، والعمالة المنزلية وأفراد الأسرة غير السعوديين، والعاملون في المنشآت داخل مكة أو المرتبطون بعقود عمل فيها.
أما من ناحية الطيران، فقد أكدت الهيئة العامة للطيران المدني أن حركة الرحلات الخاصة بالحج تسير وفق الجدول الزمني الذي تم تحديده في السابق، حيث تمتد مرحلة الوصول بين 18 أبريل و21 مايو، بينما تبدأ رحلات المغادرة من 30 مايو حتى نهاية يونيو.
ويتم توزيع الحجاج على مرحلتين رئيسيتين: المرحلة الأولى تتجه إلى المدينة المنورة، والمرحلة الثانية تتجه إلى جدة ابتداءً من أوائل مايو.
كما أن بعض شركات الطيران المحلية والدولية اضطرت إلى تعديل أو تعليق بعض الرحلات الإقليمية مؤقتاً بسبب القيود التشغيلية في المجال الجوي، مع استمرار رحلات الحج الأساسية دون توقف.
التحديات الجوية والمسارات البديلة
ورغم استمرار العمليات بشكل طبيعي، يشهد المجال الجوي السعودي بعض القيود المرتبطة بالظروف الإقليمية الحاصلة بسبب الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، مما دفع بعض شركات الطيران إلى إعادة توجيه مساراتها عبر الممرات الجنوبية التي تعد أكثر أماناً، حتى وإن أدى ذلك إلى زيادة زمن الرحلات.
كما أشارت جهات مختصة في سلامة الطيران إلى ضرورة توخي الحذر في بعض المسارات الجوية، بسبب المخاطر المحتملة المتعلقة بالمنطقة، وهو ما انعكس على إعادة جدولة بعض الرحلات أو تعديل مساراتها لضمان السلامة.
ومع ذلك، تؤكد الجهات الرسمية أن مطارات المملكة، بما فيها مطار الملك عبد العزيز في جدة ومطار الأمير محمد بن عبد العزيز في المدينة المنورة، تعمل بكامل طاقتها لاستقبال ضيوف الرحمن.
منظومة السلامة وإدارة الحشود
في حين تواصل المملكة تطوير أدواتها التنظيمية لإدارة الحشود داخل المناطق المقدسة، بالاعتماد على تجاربها السابقة في هذا المجال، خصوصاً بعد التحديات التي واجهتها في موسم حج 2024 بسبب موجات الحر.
وتشمل أبرز إجراءات السلامة: إدارة الحشود والتقنيات الحديثة، واستخدام أنظمة مراقبة رقمية لمتابعة كثافة الحشود في الوقت الفعلي، وتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل حركة الحجاج، مع توفير أساور أو أدوات تتبع تساعد في تحديد مواقع الحجاج عند الحاجة، وتخصيص مسارات منفصلة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
ولمواجهة موجات الحرارة، قامت المملكة بتجهيز خيام مكيفة بالكامل في منى وعرفات، وتوفير محطات مياه ورذاذ تبريد على طول المسارات، بالإضافة إلى استخدام مواد عاكسة للحرارة في أرضيات الطرق، وزيادة عدد المظلات والممرات المظللة، مع توزيع متطوعين لتقديم الدعم والمياه خلال ساعات الذروة.
كما تم تعزيز الإجراءات الخاصة بالحجاج غير النظاميين، إذ شددت السلطات على أن عدم الحصول على تصريح رسمي للحج يعرض صاحبه لمخاطر صحية وتنظيمية كبيرة، بسبب حرمانه من الخدمات الأساسية مثل النقل والرعاية الطبية والمرافق المخصصة.
في الختام، يبدو أن موسم حج 2026 سيكون أكثر تنظيماً بسبب الإجراءات التي أعلنتها المملكة. بينما تقع المسؤولية الباقية على الحجاج في الالتزام بالقوانين، ومعايير السلامة التي توصي بها الجهات المعنية، لتكون رحلة الحج مليئة بالسلام والاطمئنان.
اقرأ أيضاً: تأشيرات الحج تبدأ مبكراً: ما الذي تغيّر في “تقويم التشغيل” ولماذا هذا التقديم؟

