تجاوزت التقنيات الصحية في السعودية مرحلة مجرد رقمنة الخدمات الطبية أو تسهيل الوصول إلى المعلومات، إذ باتت تؤثر بشكل متزايد في قرارات الرعاية الصحية اليومية. ويعد إطلاق أداة “سالم” (Salem)، وهي أداة مفتوحة المصدر، نموذجاً لهذا التحول، حيث توظف التقنية والذكاء الاصطناعي لرصد التفاعلات المحتملة بين الأدوية والأغذية والمنتجات العشبية، مما يعزز الاستخدام الآمن للأدوية.
وقد أعلنت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (KACST) عن إطلاق هذه الأداة خلال فعاليات “القمة العالمية الرابعة للرياض للتكنولوجيا الحيوية الطبية”. وتندرج هذه المبادرة ضمن مشروع يهدف إلى تطوير مراجع صحية وطنية موحدة وتوفير معلومات حول الأدوية المسجلة في السوق السعودية.
قاعدة بيانات مرتبطة بالسوق المحلية
تكمن أهمية أداة “سالم” في اعتمادها على قاعدة بيانات تضم 9.234 دواءً تم تسجيله لدى الهيئة العامة للغذاء والدواء (SFDA)، إلى جانب 35 فئة غذائية و873 تفاعل من المحتمل أن يحدث بين الأدوية والأغذية والأعشاب.
وبسبب الارتباط الأداة بالأدوية المتاحة في السوق السعودية، فإن المعلومات المقدمة للمستخدمين تتجاوز البيانات العامة لتشمل تحديداً المنتجات الدوائية المسجلة محلياً في الواقع. هذا الأمر مهم لكل من المرضى والمتخصصين في الرعاية الصحية، لا سيما في ظل التنوع الكبير في الأدوية والمكملات الغذائية والأطعمة التي قد يستهلكها الفرد في آن واحد.
تتميز الأداة بنظام لرصد وتصنيف التفاعلات بناءً على درجة خطورتها، موفرةً بذلك إرشادات مبسطة تساعد المستخدمين على فهم المخاطر المحتملة. كما تصدر الأداة تنبيهات بشأن التفاعلات الحرجة وتتيح إمكانية التكامل في المستقبل مع الأنظمة الصحية الرقمية.
تكمن أهمية هذه الوظائف في أن بعض التفاعلات، سواء بين أدوية متعددة أو بين دواء وأطعمة أو أعشاب معينة قد لا تكون واضحة للمريض بشكل مباشر، ومن ثم، توفر الأدوات الرقمية نظام تنبيه مفيد دون أن تحل محل الأطباء أو الصيادلة في اتخاذ القرارات السريرية.
اقرأ أيضاً: من جدة إلى سباق قيادة الصحة العالمية.. حنان بلخي أمام أكبر منصب صحي دولي
ماذا يعني هذا بالنسبة لتقدم السعودية؟
يعكس إطلاق أداة “سالم” الخطوات المتقدمة التي تخطوها المملكة في توظيف التقنيات الرقمية لخدمة قطاع الرعاية الصحية. فالأداة لا تكتفي بعرض المعلومات فقط، بل تعمل على تنظيم البيانات وتصنيفها بطريقة تسهل تطبيقها بشكل عملي في مجال الرعاية الطبية.
كذلك، إن استضافة الكود المصدري للأداة على منصة البرمجيات الحكومية التابعة لهيئة الحكومة الرقمية تتيح للجهات الحكومية والصحية والبحثية استخدام الأداة وتطويرها بشكل أكبر حسب المعايير المعتمدة. تعزز هذه الخطوة مبدأ إعادة استخدام الحلول الرقمية بدلاً من التطوير المستقل لأدوات مماثلة داخل كل مؤسسة على حدة.
ويبرز هذا الأمر أهمية دمج البحث العلمي والتكنولوجيا والبيانات الصحية المحلية؛ إذ يمكن أن يفضي هذا التكامل إلى حلول أكثر ملاءمة لاحتياجات المجتمع السعودي والسوق المحلية، مما يقلل من الاعتماد على الأدوات أو قواعد البيانات الخارجية.
الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية
يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي في نظام “سالم” جانباً آخر من جوانب التحول الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية في المملكة. فالهدف ليس استبدال الخبرات الطبية، بل مساعدة المتخصصين والمستخدمين في الوصول إلى المعلومات بسرعة أكبر وبطريقة أكثر تنظيماً.
ومع تزايد استخدام الأدوية وتنوع المنتجات الغذائية والعشبية، تبرز أهمية قصوى لامتلاك أدوات قادرة على تحليل وتصنيف كميات هائلة من البيانات. لذا، يمكن اعتبار “سالم” مبادرة تجمع بين البيانات الوطنية والتكنولوجيا الحديثة لمعالجة جانب محدد من جوانب سلامة استخدام الأدوية.
تكمن أهمية المشروع بالنسبة للمملكة ليس في الأداة بحد ذاتها، إنما بالتوجه الأوسع الذي تمثله، ألا وهو تطوير حلول صحية رقمية محلية الصنع، وقابلة للتوسع وإعادة الاستخدام. وبفضل الاستثمار المستمر في التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات، يمكن لهذه المبادرات أن تعزز منظومة صحية رقمية قائمة على المعرفة، وتكون أكثر استعداداً لتسخير التكنولوجيا في تحسين جودة الخدمات والحد من المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للأدوية.

