وسط لحظة سياسية مثقلة بالتصريحات التي تُحرِّك خرائط الوعي قبل خرائط الأرض، قفز مصطلح «إسرائيل الكبرى» من هوامش الخطاب الأيديولوجي إلى صدارة المشهد، بعدما قال بنيامين نتنياهو في مقابلة تلفزيونية إنه «مرتبط جداً» بهذه الرؤية ويعتبر نفسه في «مهمة تاريخية وروحية». لكن لم تنتظر الرياض طويلاً؛ فقد خرج بيان سعودي حازم يضع النقاط على الحروف: إدانة شديدة، ورفضٌ تام للأفكار والمشاريع التوسعية والاستيطانية، وتحذيرٌ صريح من تداعياتٍ تمس أمن المنطقة واستقرارها.
«إسرائيل الكبرى» بين المفهوم والرؤية السعودية
على المستوى التعريفي، يحمل مصطلح «إسرائيل الكبرى» تاريخاً مُلتبساً بين التوظيف الديني والسياسي؛ إذ استخدمته مدارس فكرية مختلفة منذ ما بعد حرب 1967 للدلالة على حدودٍ متخيَّلة تتجاوز الأراضي المحتلة إلى أقاليم مجاورة. وهذا البعد المفاهيمي ليس مجرد مصطلحٍ أكاديمي، بل إطارٌ أيديولوجي ينعكس على السياسات الاستيطانية ويغذّي سردية الهيمنة الإقليمية. من هنا تُقارب السعودية المصطلح باعتباره تهديداً مباشراً لفكرة الدولة الفلسطينية ومرتكزات الاستقرار الإقليمي، لا سيما حين يقترن بخطابٍ رسمي يوحي بتجاوز القانون الدولي وحدود السيادة.
من زاوية الموقف، قالت وزارة الخارجية السعودية بوضوح إنها «تدين بأشد العبارات» تصريحات نتنياهو حول «رؤية إسرائيل الكبرى»، وترفض «الأفكار والمشاريع الاستيطانية والتوسعية» التي تتبنّاها سلطات الاحتلال، محذّرةً المجتمع الدولي من استمرار «الانتهاكات السافرة» وما تحمله من تهديد للأمن والسلم الإقليميين والدوليين. وهذا البيان لا يقطع الطريق فقط على أي تأويلٍ لمسارٍ سياسي يمرّ فوق حقوق الفلسطينيين، بل يذكّر بخطوطٍ حمراء تتعلق بسلامة الدول ووحدة أراضيها.
التصريح الذي أشعل العاصفة: من شاشة «i24» إلى عواصم القرار
كانت الشرارة مقابلةً تلفزيونية ظهر فيها نتنياهو معلناً أنه «مرتبط جداً» بـ«رؤية إسرائيل الكبرى»، ومؤكداً إحساسه بـ«مهمة تاريخية وروحية». لم يأتِ التصريح في فراغ؛ فهو امتدادٌ لمسارٍ سياسي يتغذّى من خطاب «الأرض أولاً»، ويُحيل إلى منظومة قرارات ميدانية على الأرض، من الاستيطان إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الضفة وغزة. هذا التلازم بين القول والسياسة هو ما دفع الرياض وسواها إلى الردّ السريع، إدراكاً بأن الكلمات هنا ليست مجازاً بل خرائط.
جاء البيان السعودي متماسكاً في بنيته القانونية: إدانةٌ مشدَّدة تُرسِّخ الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية، ورفضٌ قاطع لمشاريع الضمّ الزاحف وتوسيع المستوطنات، وتنبيهٌ دولي إلى مسؤولية مجلس الأمن في مواجهة الخطابات المتطرفة التي تُقوِّض فرص التسوية. وبموازاة الرياض، صدرت إدانات عربية وإقليمية واسعة من الجامعة العربية ومجلس التعاون، بما يعكس توافقاً على أن خطاب «إسرائيل الكبرى» ليس جدلاً نظرياً، بل تهديداً مباشراً لمنظومة الأمن العربي.
اقرأ أيضاً: عن العلاقات الإيرانية السعودية ودور الأخيرة في وقف الحرب مع «إسرائيل»
السياسة على الأرض: حين تتكلم الخرائط
لا ينفصل الجدل حول «إسرائيل الكبرى» عن ديناميات الاستيطان في الضفة الغربية. ففي الأيام ذاتها، أعادت خطط بناء في منطقة E1 إلى الواجهة سؤال قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، مع تحذيرات دولية من أن هذا التمدّد يقطع أوصال الضفة ويُجهز على حلّ الدولتين عملياً. إن قراءة الرياض لهذا المشهد لا بدّ أنها تأخذ في الاعتبار أن خرائط الإسمنت تُصنع أولاً، ثم تُفرَض على طاولات التفاوض لاحقاً. لذلك تبدو لهجة التحذير السعودية جزءاً من محاولة سياسية لكبح «التغيير بالوقائع».
من يكتب المستقبل؟
حين يتحدث زعيمٌ منتخبٌ عن «مهمة تاريخية وروحية»، فإن الرسالة تصل إلى جمهورَين: الداخل الذي يُراد تعبئته، والخارج الذي يُطلب منه التسليم بأمرٍ واقع. لكن أمام هذا الخطاب، ترفع السعودية مبدأ المسؤولية الدولية: لا شرعية لأي مشروعٍ يتجاوز القانون، ولا استقرار مع سياسات الإقصاء والترحيل القسري، ولا سلام من دون دولة فلسطينية قابلة للحياة. وهذا التباين الحاد بين لغة «الرسالة» ولغة «المسؤولية» ربما هو ما يصوغ، اليوم، معادلة الإقليم وفق ما يرى البعض.
يقرأ كثيرون الموقف السعودي في ضوء نقاشاتٍ دولية حول مستقبل المسار السياسي في المنطقة. غير أن الرياض تُدرك أن أي اقتراب من ترتيبٍ إقليمي واسع لا يمكن أن يقوم على سردية «إسرائيل الكبرى» ولا على خرائط استيطانٍ تُقصي الفلسطينيين من حقهم في دولةٍ ذات سيادة. فالتطبيع، إن حدث، لا بد أن يمر عبر معادلةٍ عادلة تعيد الاعتبار للشرعية الدولية، لا عبر شعارات تُقايض الأمن بالإقصاء.
اقرأ أيضاً: النووي السعودي شيء والتطبيع شيء آخر.. ترامب يرتجل حلّ مفاجئ ضدّ الكيان!
ارتدادات عربية وإقليمية: وحدة خطابٍ في لحظة اختبار
توالت الإدانات من عواصم عربية ومنظمات إقليمية، في مشهدٍ يوحي بتبلور موقفٍ جماعي يعتبر أن تبنّي «إسرائيل الكبرى» -ولو خطابياً- يثبّت منطق القوة على حساب القانون، ويُقوِّض فرص أي تسوية. هذه الوحدة في النبرة تمنح الرياض غطاءً سياسياً أوسع للتحرّك دبلوماسياً، وتضغط في اتجاه كبح التصعيد والحفاظ على الحدّ الأدنى من شروط الحل السياسي، خصوصاً مع تزايد مخاطر الانزلاق إلى صداماتٍ أوسع.
ختاماً، المسألة لم تعد سؤالاً عمّا إذا كان خطاب «إسرائيل الكبرى» سيبقى عند حدود التصريحات، بل عمّا إذا كانت المنظومة الدولية قادرة على ترجمة إداناتٍ واضحة إلى أدوات ردعٍ سياسية وقانونية تُعيد ضبط السلوك على الأرض. في المقابل، يبدو الموقف السعودي مصمَّماً على إعادة مركز الثقل إلى قواعدٍ لا تقبل التأويل: دولة فلسطينية، سيادةٌ محترمة، واستقرارٌ لا يُبنى على ترحيل الناس ولا على مصادرة الجغرافيا.
اقرأ أيضاً: السعودية تطالب المجتمع الدولي بتجسيد «حل الدولتين» واقعيّاً

