تتحرك الأسعار في المدن الكبرى مثل مؤشر شديد الحساسية يلتقط زيادة السكان قبل أن تلتقطها العناوين. ومع توسّع المشاريع واستقطاب الكفاءات والعمالة، صار القلق يدور حول سؤال واحد: هل دخول الأجانب يضغط على تكلفة المعيشة للسعوديين، أم أنه يعيد تشكيل السوق إلى شرائح تتعايش بأسعار مختلفة؟
دخول الأجانب وميزان الأسعار
قدّرت الهيئة العامة للإحصاء لمنتصف 2024 إجمالي سكان المملكة بنحو 35.3 مليون نسمة، وبلغ غير السعوديين قرابة 15.7 مليون. والمهم هنا أن غير السعوديين مثّلوا الجزء الأكبر من الزيادة بين 2023 و2024، ما يعني طلباً إضافياً سريعاً على السكن والخدمات الحضرية في المدن الأكثر جذباً للوظائف.
لكن زيادة السكان لا تعني تلقائياً تضخماً شاملاً، فقد لاحظ صندوق النقد الدولي أن التضخم العام هدأ في 2024، بينما بقيت الإيجارات “جيب الضغط” الأوضح (المقصود بجيب الضغط جزء صغير من الاقتصاد أو سلة الأسعار يظل فيه الضغط مرتفعاً). ويفسر هذا لماذا قد يسمع الناس عن استقرار نسبي، ثم يشعرون بأن المعيشة أثقل، لأن الإيجار بند لا يمكن تجاهله، ولأن أثره يغيّر قرارات الأسرة.
إيجارات المدن وبقع الضغط
ومن المهم القول، إن أثر دخول الأجانب يرتبط بالسكن لأن العرض يحتاج وقتاً كي يلحق بالطلب، ولأن الطلب يتكدس في أحياء قريبة من العمل والخدمات. وفي هذا السياق، ربط صندوق النقد الدولي تسارع الإيجارات بتدفّق العمالة الوافدة وبمشاريع إعادة التطوير في الرياض وجدة، وذكر أن نمو الإيجارات كان يدور حول 10% في تلك الفترة.
وفي نوفمبر 2024، نقلت رويترز عن بيانات رسمية أن التضخم بلغ 2%، وأن إيجارات السكن ارتفعت 10.8% على أساس سنوي، مع صعود أكبر في إيجارات الشقق.
لذلك لا يصبح السؤال ضمن هذا النقاش هل دخل الأجانب؟ بل أين تركز دخول الأجانب؟ فإذا تركزت الزيادة داخل نطاقات محدودة، يرتفع “سعر القرب” (الزيادة الإضافية في السعر لمجرد أن العقار قريب)، وتظهر الفجوة سريعاً بين من يستطيع الدفع ومن يضطر للابتعاد.
هل يتكوّن سوقان فعلاً
“السوق المنفصل” ليس جداراً، بل طبقات.. جزء من الوافدين ذوي الدخل الأعلى يطلب مساكن بمواصفات أعلى أو في مجمّعات، ويستهلك خدمات مكلفة نسبياً، بينما شريحة أخرى واسعة تعيش ضمن ميزانيات ضيقة. وبينهما يقع كثير من السعوديين والوافدين معاً في سوق الإيجار العادي. وبنتيجة ذلك أن دخول الأجانب قد يرفع الأسعار في الشريحة التي تستقبلهم أولاً، ثم ينتقل الأثر جزئياً إلى الشرائح الأقرب عبر انتقال السكان بين الأحياء أو عبر محاولات بعض الملاك رفع الأسعار استناداً إلى أسعار الجوار.
وقد يظل الأثر محدوداً إذا بقي الطلب محصوراً في أحياء أو منتجات محددة، مثل مجمّعات أو وحدات فاخرة لا تنافس عليها الشريحة المتوسطة. لكن الأثر يتسع حين يطارد الجميع وحدات متشابهة في المواقع نفسها، لأن البدائل تصبح قليلة ويبدأ المزاد الصامت بين المستأجرين. وعندها يتحول النقاش من هوية المستأجر إلى سرعة التخطيط والبناء، وإلى قدرة المدينة على توزيع الوظائف والخدمات خارج مركز واحد.
سياسات تقلّل الأثر وتوازن
سجّل مؤشر أسعار العقارات لدى الهيئة العامة للإحصاء ارتفاعاً سنوياً في الربع الثاني 2024 بلغ 1.7%، وكان مدفوعاً بالقطاع السكني مع زيادة في أسعار الأراضي السكنية والشقق. وفي تقرير “ساما” للربع الأول 2025، ظهر استمرار ارتفاع مؤشر أسعار العقارات مع نمو أعلى في القطاع السكني وتفاوت بين المناطق.
لهذا، فغن تخفيف أثر دخول الأجانب يمر عبر تسريع بناء وحدات قابلة للسكن، وتحسين النقل العام لتقليل علاوة القرب، ورفع شفافية بيانات الإيجارات والصفقات، مع تعزيز آليات فض نزاعات الإيجار بسرعة وعدالة.
كما أن توجيه المعروض نحو الشريحة المتوسطة يحد بطبيعة الحال من انتقال الضغط من سوق الفئات الأعلى إلى سوق الأسر، ويجعل دخول الأجانب عاملاً يمكن احتواؤه.
اقرأ أيضاً: هل ستلغي السعودية بعض مشاريع رؤية 2030؟

