تربط دول الخليج العربي مصالح مشتركة لا يمكن فصلها عن بعضها. فمنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام1981 أصبحت الروح السياسية والاقتصادية والاجتماعية واحدة. وعلى الرغم من التوترات التي تحصل بين دوله، دائماً هناك مخرجاً وحلاً. وأكبر مثال على ذلك العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فعلى الرغم من التباين في الرؤى السياسية، إلا أن عامل الاقتصاد يبقى متين. في هذا المقال ننقل لكم كواليس الخلافات السياسية، ودور التجارة في جمع شتات الخلافات.
كواليس الخلافات: اختلاف الرؤية وتعدد ساحات التنافس
برزت الخلافات بين السعودية والإمارات بشكل واضح في عدد من الملفات الإقليمية، وأبرزها الحرب في اليمن. ففي الوقت الذي نظرت فيه الرياض إلى اليمن باعتباره قضية أمن قومي واستقرار إقليمي، مع تركيز على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وقطع النفوذ الإيراني، تبنت الإمارات مقاربة مختلفة على الأرض، حيث دعمت بعض الفصائل الانفصالية في الجنوب، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد العسكري والسياسي. وعلى الرغم من أن انسحاب الوحدات القتالية الإماراتية لم يُنهِ الأزمة، لكنه أبرز أهمية التنسيق داخل التحالف ومنع أي طرف من الحصول على دعم عسكري دون اتفاق مسبق.
هذا الخلاف لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى النفوذ الاستراتيجي في جنوب وشرق اليمن، خصوصاً في محافظتي حضرموت والمهرة الغنيتين بالموارد. وقد أثار ذلك تحذيرات من تدخل عسكري مباشر ضد الفصائل المدعومة إماراتياً. ووفقاً للكاتب السعودي سليمان العقيلي، فإن بعض السياسات الميدانية في الجنوب أدت إلى تحويل المعركة من استعادة الدولة إلى صراعات نفوذ أضعفت الشرعية وخدمت الحوثيين بشكل غير مباشر. وفي المقابل، يرى ناشطون يمنيون أن دور الإمارات كان حاسماً في معارك التحرير، وأن توجيه الاتهامات لها يعد مبالغاً فيه وغير عادل.
امتد الخلاف أيضاً إلى ساحات أخرى مثل السودان والقرن الإفريقي، حيث انعكس اختلاف الأولويات على طبيعة التحالفات المحلية لكل طرف، وأحياناً أدى إلى إضعاف الجبهات المشتركة. وفي ظل تصاعد الخطاب الإعلامي المتبادل، حرصت القيادتان على التأكيد أن الخلاف يظل في إطار الاختلاف في التقدير لا صداماً استراتيجياً، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والتأكيد على عمق العلاقة الأخوية والالتزام بالشراكة الاستراتيجية.
الاقتصاد كعامل توازن بين الإمارات والسعودية
على الرغم من الخلافات السياسية، بقيت العلاقات التجارية بين السعودية والإمارات قوية ومتينة، لدرجة أن أي قطيعة اقتصادية شاملة تبدو شبه مستحيلة. تشير البيانات السعودية إلى أن إجمالي التجارة الثنائية بين البلدين بلغ حوالي 30 مليار دولار في نهاية عام 2023، بزيادة نحو 42% مقارنة بعام 2020، وكانت الإمارات خامس أكبر وجهة لصادرات السعودية وثالث أكبر مصدر لوارداتها في 2024. تشمل هذه التجارة النفط المكرر والمشتقات البترولية، والذهب والمجوهرات، والسلع الاستهلاكية مثل الإلكترونيات، ويتدفق جزء كبير منها عبر ميناء جبل علي في دبي، في الوقت الذي تعمل فيه الرياض على توسعة موانئها الخاصة لاستقبال المزيد من الشحنات مباشرة.
كما تتشابك الأسواق الاستهلاكية بين البلدين، إذ يشتري المستهلكون في متاجر إماراتية منتشرة في السعودية مثل “لولو هايبر ماركت” المنتجات السعودية الأساسية، بما في ذلك حليب “المراعي”، وتمر “جمارة”، ودجاج “اليوم”. أما على صعيد الاستثمارات المباشرة، فتشير البيانات الإماراتية إلى أن استثمارات أبوظبي في السعودية تتجاوز 9.2 مليار دولار، بينما تتجاوز الاستثمارات السعودية المباشرة في الإمارات 4.3 مليار دولار. وتعمل أكثر من أربعة آلاف علامة تجارية سعودية في الإمارات، إضافة إلى عشرات الوكالات التجارية، كما توجد مشروعات مشتركة في مجالات الخدمات اللوجستية، وتجارة التجزئة، والضيافة.
من أبرز الشراكات المشتركة بين البلدين: مشروع “القدية” الترفيهي في السعودية الذي تتعاون فيه شركات إماراتية في إدارة وتشغيل بعض مرافقه، وشركة “أرامكو” السعودية التي لها استثمارات مشتركة مع شركات إماراتية في مجال الطاقة والبتروكيماويات، وكذلك مشروعات لوجستية في ميناء جدة وميناء خليفة، إضافة إلى شراكات في قطاع التجزئة مثل تعاون شركات سعودية وإماراتية في مراكز التسوق الكبرى والفنادق والمطاعم.
والجدير بالذكر أنه رغم وجود منافسة واضحة بين البلدين، سواء في جذب الشركات متعددة الجنسيات أو استقطاب الاستثمارات، فإن هذه المنافسة تظل ضمن حدود مدروسة، حيث يعتبر كل طرف أن التعاون الاقتصادي المستدام يخدم المصالح الاستراتيجية لكليهما، ويعزز من دوره في المنطقة. هذا الترابط يجعل العلاقة الاقتصادية بين السعودية والإمارات حجر الزاوية الذي يمنع أي خلاف سياسي من أن يتحول إلى أزمة شاملة تؤثر على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
باختصار، مهما بلغ حجم الاختلافات والتنافس السياسي والاقتصادي بين السعودية والإمارات، تبقى المصالح المشتركة ذات أولوية للطرفين. ويدرك البلدان أن تحالفهما ضمن مجلس التعاون الخليجي هو الذي يبقي على قوتهما الاستراتيجية والاقتصادية. لذلك دائماً ما يجدا طريقاً للحلول مهما تعددت الخلافات.
اقرأ أيضاً: ما سبب الخلاف بين الإمارات والسعودية في اليمن؟

