لم تعد السينما العربية مجرد تجارب محلية تُعرض داخل حدود المنطقة، بل أصبحت اليوم حاضرة في أهم المحافل العالمية، تناقش قضاياها، وتعرض قصصها، وتسعى إلى بناء مكانة دولية تنافس كبرى الصناعات السينمائية في العالم. ومع التطورات المتسارعة التي يشهدها القطاع السينمائي في المملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية، أصبح الحضور في المهرجانات العالمية خطوة أساسية لإثبات هذا التحول وإبراز حجم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة.
ويعد مهرجان كان السينمائي واحداً من أبرز المهرجانات السينمائية الدولية وأكثرها تأثيراً، حيث يقام سنوياً في مدينة كان منذ عام 1946، ويجتمع فيه سنوياً المخرجون والمنتجون والفنانون وصناع القرار في صناعة السينما من مختلف أنحاء العالم. وفي دورة عام 2026، برز الحضور السعودي والعربي بشكل واضح من خلال مشاركة هيئة الأفلام ومركز السينما العربية في العديد من الجلسات والندوات والفعاليات المهنية التي ناقشت مستقبل السينما العربية، والتحولات التي تشهدها صناعة المحتوى، وفرص التعاون الدولي.
وتعكس هذه المشاركة مرحلة جديدة من التطور الثقافي والفني في المنطقة العربية، حيث أصبحت السينما أداة مهمة للتواصل مع العالم، ونقل الهوية والثقافة العربية بصورة حديثة قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي واسع.
مشاركة هيئة الأفلام السعودية في مهرجان كان
شاركت هيئة الأفلام في الدورة التاسعة والسبعين من المهرجان من خلال برنامج متكامل يهدف إلى إبراز التطور السريع الذي يشهده القطاع السينمائي في المملكة العربية السعودية. وجاءت هذه المشاركة تأكيداً على استمرار الحضور السعودي في أهم الفعاليات السينمائية العالمية، خاصة بعد التوسع الكبير الذي شهدته المملكة في مجالات الإنتاج السينمائي، وإنشاء الاستوديوهات، وتنظيم المهرجانات المحلية، ودعم المواهب الشابة.
وشاركت الهيئة عبر جناح المملكة في المهرجان، والذي ضم عدداً من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص والمؤسسات غير الربحية. كما شارك وفد رسمي من الهيئة إلى جانب عدد من صناع الأفلام السعوديين الذين حضروا جلسات نقاشية وفعاليات تواصل مهني مع خبراء السينما العالميين.
ومن أبرز الفعاليات التي نظمتها الهيئة جلسة خاصة بأستوديوهات جاكس يوم 14 مايو 2026، حيث جرى استعراض الإمكانات الفنية والتقنية التي توفرها المملكة في مجال صناعة الأفلام. وركزت الجلسة على البنية التحتية الحديثة التي أصبحت متاحة أمام شركات الإنتاج، مثل الاستوديوهات المتطورة، ومواقع التصوير المتنوعة، والخدمات اللوجستية التي تساعد على جذب الإنتاجات المحلية والعالمية.
كما نظمت الهيئة جلسة حوارية بعنوان “مملكة الكنوز السينمائية” يوم 15 مايو، ناقشت خلالها التطور الذي حققته السينما السعودية خلال السنوات الأخيرة، والفرص المتاحة أمام صُنّاع الأفلام، خاصة في مجالات التمويل والإنتاج المشترك والتعاون الدولي. وتطرقت الجلسة أيضاً إلى التحديات التي تواجه القطاع، مثل الحاجة إلى تدريب الكوادر الوطنية وتوسيع نطاق التوزيع السينمائي.
وفي إطار الاهتمام بالمحتوى الرقمي، عقدت الهيئة طاولة مستديرة بعنوان “تبني اقتصاد المبدعين” يوم 17 مايو، تناولت فيها التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم الرقمي، ودور صُنّاع المحتوى والمؤثرين في الانتقال إلى صناعة الأفلام. كما ناقشت الجلسة العلاقة بين المنصات الرقمية والسينما، وكيف يمكن للاستثمار في المحتوى الرقمي أن يساهم في دعم الاقتصاد الإبداعي.
ولتعزيز العلاقات المهنية، نظمت الهيئة فعالية بعنوان “جسور سينمائية” يوم 15 مايو، هدفت إلى توفير مساحة للتواصل المباشر بين العاملين في قطاع السينما داخل المملكة وخارجها، بالإضافة إلى التعريف بالإنجازات التي حققتها السينما السعودية في فترة قصيرة.
وتعكس هذه المشاركة الاهتمام المتزايد الذي توليه المملكة لقطاع السينما، خاصة أن الهيئة شاركت خلال عام 2025 في 16 مهرجاناً سينمائياً إقليمياً ودولياً، بهدف دعم المواهب الوطنية وتعزيز حضور المملكة كوجهة عالمية للإنتاج السينمائي.
الندوات العربية ودعم صناعة السينما
إلى جانب المشاركة السعودية، شهد مهرجان كان حضوراً عربياً بارزاً من خلال الأنشطة التي نظمها مركز السينما العربية بالتعاون مع سوق الأفلام في المهرجان. وقد ركزت هذه الأنشطة على مناقشة مستقبل السينما والتلفزيون في المنطقة العربية، والتحديات التي تواجهها الصناعة في ظل التغيرات الاقتصادية والتقنية.
ومن أهم هذه الأنشطة ندوة بعنوان “أعمال غير اعتيادية: النمو والابتكار في مشهد متغير”، والتي ناقشت قدرة صناعة السينما والتلفزيون العربية على التكيف مع التحديات الحديثة. وأدار الندوة مايكل روسر، حيث تناولت الجلسة موضوعات تتعلق بتطوير نماذج التمويل، وفتح أسواق جديدة، وبناء شراكات مع جمهور أوسع.
وشارك في الندوة عدد من الشخصيات السينمائية المعروفة، من بينهم حسين فهمي، وبافي ياسين، وزيد شاكر، وهناء العمير، إضافة إلى جهاد عبدو، وعلاء كركوتي.
كما نظم المركز ندوة ثانية بعنوان “قوى صاعدة: المواهب العربية إقليمياً ودولياً”، وركزت على النجاحات التي حققتها الكفاءات العربية في السينما العالمية خلال السنوات الأخيرة. وأدار الجلسة علاء كركوتي، وشارك فيها عدد من الفنانين والمتخصصين، مثل ريا أبي راشد، وأمين بوحافة، وسعاد بشناق، وطارق العريان، ومصطفى الكاشف.
وناقشت الندوة أسباب نجاح المواهب العربية، ومنها انتشار الأفلام العربية عبر منصات البث الرقمي، ونجاح بعض الأعمال في شباك التذاكر العالمي، إضافة إلى تزايد اهتمام المهرجانات الدولية بالأفلام العربية وصُنّاعها.
وفي إطار تكريم الشخصيات المؤثرة في السينما العربية، أعلن مركز السينما العربية منح حسين فهمي جائزة “شخصية العام السينمائية العربية”، تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة ودوره في دعم السينما العربية.
ورغم غياب الأفلام العربية عن المسابقة الرسمية للمهرجان، فإن عدداً من المخرجين العرب شاركوا بأعمالهم في أقسام موازية مثل “نظرة ما”، و”أسبوع النقاد”، و”أسبوع السينمائيين”، وهي أقسام تحظى باهتمام عالمي وتمنح الفرصة للأعمال الجديدة والمختلفة للوصول إلى جمهور دولي واسع.
في النهاية، أظهرت مشاركة المؤسسات السينمائية السعودية والعربية في مهرجان كان السينمائي حجم التطور الذي تشهده صناعة السينما في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة. ومن المتوقع أن يستمر هذا التطور في المستقبل، خاصة مع زيادة الاهتمام بالإنتاج السينمائي وظهور جيل جديد من المخرجين والمنتجين والفنانين العرب القادرين على نقل قصصهم وتجاربهم إلى العالم، وبالرغم من التحديات التي تواجههم.
اقرأ أيضاً: السينما السعودية.. شباك التذاكر يتحول إلى مؤشر اقتصادي وثقافي

